السعادة…ذاك العالم البهي
أين تكمن سعادتي..؟

في جلسة عائلية بمناسبة العيد ، ونحن نتقاسم لحظات هنية ونرتشف كؤوس الشاي ، طرح علي أحدهم سؤالا مفاده : ماهي السعادة في نظرك ؟ وهل أنت فعلا سعيد ؟
غمرتني دهشة عارمة ، طوحت بي في عالم من الارتباك الفجائي ، أحسست معها في البدء بالعجز عن الرد السريع . غير أنه سرعان ما استجمعت قدراتي وتحركت دواخلي تبتغي إيجاد بعض أجوبة عن سؤال لم أكن انتظر يوما طرحه علي، فحلقت في عوالمي الشخصية مرددا .. هل أنا سعيد فعلا ؟
سعيد بعد هذا العمر الذي قضيته جيئة وذهابا بين الكثير من المتناقضات؟ و ماذا عن هذا المفهوم الاهليليجي، الذي يصعب القبض على حدوده، وبالأحرى إيجاد وصف تام له ؟ وإن كنت فعلا سعيدا فأين تكمن سعادتي ؟
وبعد صمت طويل وجدتني أردد مع نفسي أن سعادتي تكمن في لطفي … نعومة رفيقة عمري … تناغم أيامي … سعادتي في تائي المتحركة التي تجدد كل افعالي – الماضي منها والمضارع -وهي متصلة لا مستترة ساكنة ولها محلها القوي والواضح من الإعراب …
سعادتي تتجلى في كتابة خواطري.. وتكبر هذه السعادة عندما تقرأها قارئة فنجاني بصوتها الهادئ والمتميز، بطريقتها المثيرة للاستماع والانتباه، فتضيف للمعنى عمقا و للجملة لونا وللصيغة لحنا، تثلج الأفئدة وتدفئ القلوب …
سعادتي عندما أكتب، وأجد صديقي المختار عنقا الادريسي، يحنو على بعض هفواتي اللغوية، ويطبعها بلطفه المعهود، وتزداد سعادتي عندما تفاجئني جريدة ” ألوان الالكترونية ” – التي تديرها الصحفية المغربية الكندية زهرة منون – باخراج واعداد مميز وهي تتيح للقراء الاطلاع على ما تجود به قريحتي من تأملات. وتكمن سعادتي في كل وجبة تهيئها رفيقة دربي بكل امتنان، فتعطي للمذاق نكهة خاصة تفتح الشهية وتبعث عشقا خاصا في القلب …
سعادتي في تحقيق إشباعي العاطفي والفكري و اللغوي …
أعشق القراءة لدرجة جنون قيس بليلاه ..وأحب اللغة العربية الحية ، الفكر الهادف ، أحب الكتاب الذي يحرك سواكني وينقح دواخلي من كل التصورات السلبية ويغني فلسفتي في الحياة …
وبعد ذلك أضفت قائلا لسائلي : أنا سعيد بكل كتاب يؤهلني لمعرفة و فهم الآخر والتعايش معه … فأغدو سعيدا عندما أرسم الابتسامة الصادقة بكل تلقائية على الوجوه الأخرى ، وهي هدية السماء النابعة من أعماق القلب فأكون سعيدا عندما أساهم في بناء سعادة الآخرين و لو بجزء يسير.
سعادتي في نجاح و استقلالية أبنائي و في رضا والدتي وثقة كل إخوتي …
سعادتي في الإنصاف و قول كلمة حق … وفي حضور وتفاعل العاملين معي وتحفيزهم كلما دعا الأمر ذلك، وإسعادهم قدر الإمكان .
سعادتي في أداء الواجب كاملا ،ومعانقة آلة العود وألامس أوتارها بكل حنان فتنبع الجملة الموسيقية صحيحة متناسقة بين زمنها القوي والضعيف ، مع إعطاء الصمت حقه سواء ربعا أو نصفا أو حتى عندما يقتضي الأمر أن يكون كاملا … وأخيرا تزداد سعادتي عندما أعزف أنا و رفيقة أوتاري قطعة موسيقية جميلة فيتواصل العود والقانون بكل سلاسة واسترسال …
سعادتي في الاستمتاع بصوت أم كلثوم و محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وفيروز وصباح فخري …
سعادتي في الزمن الجميل من الموسيقى المغربية مع عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي وأحمد البيضاوي وإسماعيل أحمد وباجدوب ونعيمة سميح وغيرهم كثر …
سعادتي في الأغنية الشعبية لمحمد رويشة و حادة أوعكي …
وكم أكون أسعد الناس عند مغادرة أول شبر من المدينة التي أسكنها لأني أعشق السفر وأحب المشي والمغامرة بكل تلاوينها …
سعادتي في وضعيتي المادية عندما لا يصلها الخط الأحمر …
سعادتي في الإستماع للقرآن الكريم على لسان عبد الباسط عبد الصمد والمنشاوي أوعلى أي لسان صاحب صوت جميل يصل إلى الوجدان وينبع من عوالم الايمان .
وأكبر سعادتي عندما أصلي صلاتي في الوقت بأمانة كامل وخشوع تام.
وأخيرا تبقى سعادتي مستمرة عندما أغمض جفني وأستيقظ فرحا ببياض الصباح الوهاج،
وهو ما يجعل منبع السعادة فياضا ونحن ننعم بما هو حاضر… دائم فينا ويننا …
كم هو جميل وبليغ عندما نقرأ 【 وأما بنعمة ربك فحدث 】
