حين يصبح البيت ذاكرة للحياة ( 4 )
الغرفة الواحدة التي تختزن داخلها الكثير من المعاني…
المحكية الثالثة:
اعداد مدخلي:

قبل أن أفهم معنى الفقر الحقيقي، كنت أظنه مرتبطا فقط بقلة المال وضيق العيش، لكن السنوات علمتني أن بعض أشكال الألم تكون أكثر خفاء وتعقيدا ، فقد يشعر الإنسان أحيانا بضيق المكان، دون أن تضيق المحبة. وقد يعيش داخل بيت العائلة وهو يحمل في داخله إحساسا صامتا بالحرج أو الانكسار، فلا يجرأ على البوح به حفاظا على روابط الدم وحرمة الكبار. ومن بين الصور التي ما تزال راسخة في ذاكرتي ، تلك الرحلات السنوية التي كان يقوم بها المرحوم والدي نحو بادية مسقط رأسه ، بقبيلة ” أولاد أبي السباع ” حيث كنا نعود الى الجذور والعائلة الكبيرة ، حاملين معنا أشواق المدينة ومعاناتها وتعبها ، بينما كان الوالد يحمل فوق كتفيه ما هو أثقل من الأمتعة نفسها : عبء الكرامة الصامتة ، وحرصه العميق على ألا يتحول الحب العائلي إلى سبب لأي خلاف أو عتاب حتى ولو كان ذلك على حسابه الشخصي .
الغرفة الوحيدة … أو حين يضيق المكان وتتسع شباك المحبة
إنها حكاية الغرفة الواحدة بالبادية، التي تختزن عالما كاملا من المعاني الانسانية المتشابكة، المتراوحة بين المحبة والصبر والحياء العائلي، والتضحية الصامتة من طرف الوالد. ويعود تاريخ هذه المحكية إلى فترة الرحلات السنوية خلال العطلة الصيفية، التي كنا نقوم بها إلى أرض الأجداد، حيث تمتد الأرض على ايقاع البساطة والقسوة معا. فبقي الوالد محافظا على ذاك الخيط الخفي الذي كان يشده إلى مسقط رأسه. ولعل ما كان يثير التأمل في سفريات الأسرة هو ذلك التناقض الخفي بين صورة المجد القديم التي كنا نسمعها في مختلف الحكايات ، وبين الواقع البسيط الذي كنا نعيشه عند الوصول إلى أرض الأجداد .فكأننا كنا نسافر لا فقط نحو البادية ، بل نحو ذاكرة عائلية مثقلة بالحنين والانكسارات والتحولات التي تصنع مصائر الأسر عبر الزمن. فخلال كل عطلة سنوية كنت أجدني دائما رفقة أخي الأصغر “حسن” نردد بفرح طفولي نشيدا ظل عالقا في الذاكرة الى اليوم :
عليك مني السلامُ يا أرض أجدادي
ففيك طاب المقامُ وطاب إنشادي
أحببت فيك السهر وبهجة النادي
أحببت ضوء القمر والكوكب الهادي
والليل لما اعتكر والنهر والوادي
والصبح لما انتشر في أرض أجدادي
عليك مني السلام يا أرض أجدادي .
كنا نردده ببراءة المنتشين بزيارة أرض طالما سمعنا عنها في الروايات العائلية، تلك الأرض التي تحضر في حديث الكبار وكأنها فردوس قديم فقدته الأسرة مع الزمن . فقد كانت كل الحكايات المتداولة عن أسرة ” أهل بن الجيلالي ” تُصَورها باعتبارها من الأعيان في مرحلة ما، قبل أن تتعرض ممتلكاتها وأوضاعها للاهتزاز بسبب الضرائب الجائرة والسلب والنهب الممارس من طرف بعض رجالات المخزن وقواده أمثال : المتوكَي … الكَلاوي … وغيرهما، خلال سنوات ” السيبة” حيث ساد الدهاء السياسي الشديد والقسوة…ولعلها التحولات التي دفعت بوالدي مثل الكثير من أبناء جيله الى الهجرة قبيل ثلاثينيات القرن الماضي إلى الدار البيضاء ، بحثا عن عيش أكثر أمنا واستقرارا . ولعل ما كان يثير التأمل في تلك الرحلات هو ذلك التناقض الخفي بين صورة المجد القديم التي كنا نسمعها في الحكايات، وبين الواقع البسيط الذي كنا نعيشه عند الوصول. فكأننا كنا نسافر لا فقط نحو البادية، بل أيضا نحو ذاكرة عائلية مثقلة بالحنين والانكسارات والتحولات التي تصنع مصائر الأسر عبر الزمن .
واليوم عندما أتذكر رحلة أسرتي التي تتحول كل مرة إلى ما يشبه ” قافلة محبة ” صغيرة تحمل الملابس، أدوات الطبخ، المؤونة، وما تيسر من العطايا المادية، بل يتجاوز كل ذلك – أحيانا – للإسهام في شراء بعض الأنعام قصد انماء القطيع، حتى دون الاستفادة من عائداته، وكأني بالوالد – رحمة الله عليه – يحاول أن يرد شيئا من دين الذاكرة تجاه موطنه الأول. فلم يكن يذهب سائحا أو زائرا عابرا، بل كان يعود وفي داخله شعور عميق بالواجب العائلي، وبأن الهجرة إلى المدينة لا تعني التخلي عن الذين بقوا هناك يواجهون قسوة الحياة بأقل الامكانيات. لكن خلف تلك الصورة … القرارات … المواقف النبيلة، كان هناك وجع صامت لا نراه نحن الأطفال. فرغم كل ما كان يقدمه الوالد، لم يكن من نصيبه داخل البيت العائلي الكبير المكون من مطبخ و 3 غرف وبرج سامق – للاستطلاع – وفضاء معزول مخصص للضيوف والزوار، يسمى ب” الدويرية”. لم تكن له وأسرته إلا غرفة واحدة صغيرة، نتكدس فيها كلما حللنا بالبادية، وقد نعمد لتشكيل مجموعتين أولاهما تستقر ببيت جدي لوالدي، وثانيهما يأويه بيت جدي لوالدتي. فتختلط الأمتعة بأجسادنا الطرية في الغرفة المخصصة لاحتضاننا، رغم اتساع الفضاء المنزلي. فيضيق المكان بحرارة صيف البادية، وصمت الكبار بأسئلتنا نحن الصغار، فيركب الوالد أرجوحة الصمت، ولا يجرؤ على أية مواجهة مع أخويه. أما نحن الصغار، فكنا نشعر أحيانا أن البيت واسع ، لكنه ليس لنا. وأن وجودنا رغم المحبة الظاهرة، يظل وجودا محدودا بسقف غرفة واحدة. ومع مرور الزمن بدأت أفهم أن الأمر لم يكن مجرد ضيق في المكان، بل كان يحمل داخله شيئا من القهر الانساني الصامت. فالوالد بصفته أصغر اخوته، لم يكن قادرا على اثارة هذا الموضوع مع أخويه الأكبر منه سنا، لأن الثقافة العائلية في تلك المرحلة كانت تمنح للأخ الأكبر سلطة غير معلنة، وتجعل الأصغر يميل الى الصمت حفاظا على التوازن العائلي، حتى ولو كان ذلك على حساب راحته أو كرامته الداخلية. فَتُحمل الينا البادية بوصفها صلة رحم ووفاء للأصل، يجعله كريما في عطائه، متواضعا في طلبه، صامتا في ألمه. وربما لذلك لم نسمعه يوما يشتكي أو يعاتب، رغم أن ملامحه كانت أحيانا تقول ما لا يستطيع القلب البوح به، ولا الكلمات له قائلة. واليوم وأنا أستعيد تلك اللحظات … الصور … المواقف … الغرفة الواحدة، التي تختزن داخلها الكثير من المعاني : الانتماء ، التفاوتات داخل العائلة الواحدة، الكرامة التي تفضِّل الصمت على إثارة الخلاف ، الحب الذي يستمر رغم الإحساس الخفي بالمرارة . كل ذلك وغيره يجعلني : أتذكر جيلا كاملا من الاباء، عاشوا أعمارهم وهم يخفون انكساراتهم خلف صرح الواجب العائلي . أتذكر رجالا كانوا يعتبرون الصمت نوعا من الحرص على درء أي خلاف عائلي . ولهذا السبب بالذات، بقيت تلك الغرفة راسخة بكل تفاصيلها … جدرانها … لون بوابتها … في المخيال والذاكرة ، لا باعتبارها مكانا كان يحتضننا في العطلة الصيفية بل باعتبارها درسا مبكرا في فهم التعقيد الإنساني داخل أسرتنا الكبيرة، حيث لا تكتفي المحبة وحدها دائما لازالة الألم ، ولا يمنع الكرم أحيانا من الشعور الخفي بالغربة داخل بيت يفترض أنه بيت الجميع .
