المسرح والناس…
المعادلة المعطوبة
فاتحة الكلام
يقول الاحتفالي، وهو يتحدث عن هذه العلاقة المعطوبة، والتي تربط الناس في بلادنا بالمسرح، والتي تحتاج اليوم إلى تفكيك بنيتها الغريبة والعحيبة، ونحن بحاجة لأن نعرف سر هذا العطب، والذي يعد مسرحنا المغربي والعربي يدور في حلقة مفرغة، وان يظل ملتصقا بدرجة في الصناعات المسرحية
ونحن في هذا الوطن الكبير نتحدث يوميا عن المسرح، و نتحدث عنه بمنطق غريب وبلغة غريبة، وكانه كائن فضائي غريب، قادم من المريخ او من اي كوكب آخر، مع انه حياة الناس ولغة الحياة ومنطق الناس في حياة الناس، واكثر هذا الكلام ( المسرحي) هو ثرثرة في المسرح، او على هامش المسرح، واغلبه هو نميمة المسرحيين في المسرحيين، وفي هذه النميمة نبرئ انفسنا، و ندين ونجرم كل الآخرين، ونحن في هذا المسرح نكتب كتابات كثيرة، عن علوم وعن فنون وعن آداب وعن اخلاقيات المسرح، ولكن، هل فعلا، نحن في هذه الكتابات نعرف المسرح؟ وهل نعرف روح المسرح؟ وهل نعرف جوهر المسرح؟ ونعرف حقيقة المسرح؟ وهل نعرف معنى و قيمة هذا المسرح، وذلك في نفوس وفي وجدان وفي ارواح الناس؟
وفي الحديث اليومي، عن هذا الفعل الثقافي الاحتفالي، يطالعنا السؤال التالي، وهل يمكن وجود مسرح بدون وجود تاسيس مسرحي اولا؟ بالتاكيد لا يمكن
وهل يمكن وجود حركة مسرحية متجددة بدون شغف مسرحي، وبدون وجود ثقافة مسرحية، وبدون وجود تقليد يومي للذهاب إلى المسرح. وبدون وجود علم مسرحي، وبدون وجود فكر مسرحي، وبدون وجود فقه مسرحي، وبدون وجود بلاغة مسرحية، وبدون وجود صناعة مسرحية متكاملة؟
إن هذا المسرح، و لحد هذا اليوم، مازال في حاجة إلى تعريف علمي دقيق، ومن اغرب الغرائب ان يكتفي البعض منا بالتعريف المدرسي البسيط و الشكلي لكلمة المسرح، وبالنسبة لشريحة كبيرة من المسرحيين المغاربة والعرب فإن هذا المسرح هو حكاية تحكى، وهو حكي حكواتتين، وهو محاكاة فواتوغرافية لما يحدث في الواقع اليومي، وهو ايضا ركح ثابت تجري فوقه حركة اجساد، وهو فضاء يؤثثه حدث ما، وهو صمت يخترقه كلام، وهو ظلام يبدده ضوء، وهو عالم واحد تجعل منه الستارة عالمين متقابلين، ومتى كانت حياتنا و اعمارنا و معاناتنا و اسئلتنا في الحياة مجرد حكاية تحكى؟ ومتى كان عيشنا مجرد تقليد ومجرد تجسيد ومجرد لعب بالأجساد والأشياء، وبالضوء والظل، وبالأزياء والأقنعة وبالكلمات والحركات؟
ويقول الاحتفالي، في مختلف كتاباته النقدية و النظرية، بأن المسرح أساسا هو الناس، او هو كل الناس، في كل زمان ومكان، وهذا هو نفس ما قالته البشرية، على امتداد التاريخ، وقد تتغير الأيام والليالي، ويظهر إلى الوجود ما قد يشبه المسرح، ولكنه ابدا لا يمكن ان يكون هو المسرح، وذلك في علاقته بالإنسان الحي و بالواقع الحي، و بالمجتمع المدني الحي، و بالفكر الحي، وبالأسئلة و المسائل الفكرية الحقيقية والحية، وما قولنا اليوم في مسرح يغيب فيه وعنه الناس، ويصبح مجرد علاقة سوريالية وعبثية بين من ينتج العرض، والتي هي الدولة، وبين الجهة التي تنفذ هذا العرض، والتي هي الفرقة المسرحية، والتي ينتهي دورها بعد إنجازه وبعد عرضه؟
وهناك من يختزل الناس في المسرح في مجموعة من الأجساد التي تبرر وجود العرض المسرحي فقط، وبهذا نكون نحن الذين نعرض المسرحية، ويكون معنا الذين نعرض العرض أمامهم، وهذا هو المسرح، كل المسرح..
مسارح لها اسماء وما لا يسمى لا وجود له
ولأن هذا المسرح هو الإنسان وهو الإنسانية، فان هذا المسرح سيبقى خالدا ما بقي الإنسان، وهو قائم وهو موجود حيث يوجد الناس. وذلك في الفضاءات وفي السياقات التي يجتمع فيها الناس بالناس، وهو الحضور، ايضا وهو العلاقة، وهو الحوار بين الناس، وما الذي يمكن ان يدفع بنا لأن نبحث عن الناس، لنكون معهم، ان لم يكن هو حب الناس؟
وما معنى هذا الفضول الذي يدفعنا لأن نتحدث عن الناس الآخرين، وان نكشف اسرار الناس للناس، ان لم يكن هو حب الناس وحب الانسانية؟
اما لغة هذا المسرح، فهي نفس لغة الناس، واما أسئلته، فهي دأئما نفس اسىئلة الناس، وليس صدفة ابدا ان الرأئد الطيب الصديقي سمى مسرحه (مسرح الناس) وان الرائدة الاحتفالية ثريا جبران، وفي تعلقها بالآن اليومي قد سمت مسرحها (مسرح اليوم ) ولأن هذا المسرح هو حياة وحيوية، فقد وجد من يسمي مسرحه (المسرح الحي) و اينما يجتمع الناس بالناس يكون المسرح هو مسرح الناس، وليعلم الجميع أن المسرح ـ الفن والعلم والفكر هو اكبر وأخطر من المسرح البناية، وان المسرح الحقيقي ليس حجارة، وليس أزياء، وليس أقنعة، ولكنه الحياة، او هو روح الحياة، وكل شيء في المسرح، وكيفما كان، اذا لم يكن يخدم الخطاب المسرحي الإنساني والمدني فإنه يظل بلا معنى.
أما المرحوم حوري الحسين فقد سمى مسرحه (مسرح المرحلة) لماذا؟
لأنه، وبكل بساطة، كان مؤمنا بسلطة المرحلة التاريخية، وكان مؤمنا بأن كل مسرح لا ينطق لغة الناس في إطار مرحلة تاريخية ما، فإنه يظل مسرحا بلا معنى، ويظل في التاريخ على هامش التاريخ.
والمسرح الحق له علاقة بكل شيء، وفيه يحضر كل شيء، وفي حال غياب أي مكون من مكوناته، او في حال غياب او تغييب اي شرط من شروطه، فإنه لابد ان يفقد معناه الحقيقي، ويبقى ان أخطر ما في هذا المسرح هو الإنسان، وهو إنسانية الإنسان، وما عدا هذا الإنسان، فهو مكملات، وهو تقنيات، وهو محسنات تحتاج اليها بلاغة المسرح، ولكنها بالتأكيد ليست هي وحدها المسرح.
وهذا المسرح، هو الحياة والحيوية، وهو الحضور والتلاقي، وعندما تحضر الصور وحدها، ويغيب صاحب الصورة، فإنه لابد ان يغيب المسرح، وهذا هو ما نراه اليوم، صورة المسرح حاضرة، ولكن روحه غائب او مغيب، حتى إشعار آخر.
وهذا المسرح، في جوهره الفكري والإنساني والمدني، ماذا يمكن ان يكون سوى انه حوار صادق وناطق بالحق؟ وفي هذا الحوار نوجد نحن دائما، و معنا يوجد ذلك الأخر المختلف والمخالف، وتوجد الحقيقة ايضا، ليس عندنا ولا عند الآخرين، ولكنها توجد في وسط الطريق التي تجمعنا مع الآخرين، نحن من هذه الجهة والآخرون من الجهة الأخرى، ولعل ابرز عنوان في هذا الحوار هو النقد، ويبقى ان نؤكد على ان اصدق النقد و أشرفه، لدى الاحتفالي، هو النقد الذاتي، وإن وجود اي مسرح من المسارح، يوجد فيه نقد الآخرين فقط، وذلك من خلال المدح والهجاء فقط، فإنه لا يمكن ان يكون نقدا سويا وحقيقيا.
وفي الحوار الحقيقي توجد العقول، وتوجد الأرواح، وتكون هذه العقول وهذه الأرواح، في درجة عالية من الوضوح. ومن الشفافية ومن المسؤولية، ولقد اخطا كل الذين سعوا الى محاورة شخص الاحتفالي، وفاتهم أن يحاوروا عقل الاحتفالية، وان يحاوروا روحها اولا واخيرا، لأن الأصل في هذه الاحتفالية هو انها منظومة افكار، قبل ان تكون مجموعة من الفنانين المفكرين والمبدعين.
وقبل ان يكون هذا الحوار حوارا مع الآخر المختلف، فهو أولا حوار هادئ مع الذات المفكرة والهادئة، ومثل هذا الحوار الداخلي، هل له وجود حقيقي في المسرح المغربي والعربي اليوم؟
وهل يمكن ان يكون له وجود في يوم من الأيام او في عام من الأعوام؟
وهل هناك في هذا المسرح من يحاور ذاته قبل ان يحاور غيره، وان يعطينا في كل فكرة فكرتين؟ وان يعطينا في كل راي رابين؟ وان يعطينا في كل موقف موقفين، وان يعطينا في كل مسرح مسرحين؟
وبالنسبة للاحتفالي المفكر و المبدع، فإنه من الضروري ان توجد في الإبداع نسبة معينة من الجرأة، ولعل أصدق جرأة في المسرح هي تلك التي تكون مع المعرفة ومع العلم، واسوا كل انواع الجرأة، هي تلك الجرأة التي تاتي مع الجهل، البسيط او المركب، وفي كل جرأة حقيقية يوجد إحساس حقيقي بالثقة في النفس، وبالندية امام المفكرين والمبدعين الحقيقيين، ومع هذه الثقة في النفس، ومع هذه الندية، فانت تبدع مع الآخرين، ولا تبدع وحدك، وتبدع كما يبدعون ولا تتبعهم، وان تمشي إلى جانبهم، ولا تمشي خلفهم
ونحن فقط في هذا المسرح العربي نحاور من يشبهنا، ومن نشبهه، ومن يقول نفس ما نفول، والذي يقول فقط ما يرضينا وما يسعدنا، والذي لا يقول ما يزعجنا، والذي يكتب ما لا يغضبنا
المسرح في كل الأيام وليس في بعض الأيام
ولعل اهم ما يميز هذا المسرح العربي اليوم هو الموسمية، واغلبنا في هذا المسرح كائنات موسمية، والمسرح في هذا الوطن العربي له وجود فقط في أيام المهرجانات و الملتقيات السنوية ، وهي ايام معدودات لا تتعدى الستة ايام، بما فيها يوم الافتتاح ويوم الاختتام، وماذا يتبقى بعد ذلك؟
والمسرح خارج هذه الأيام المهرجانية لا وجود له، والجمهور المسرحي خارج ايام المهرجان لا وجود له ايضا، وكلنا في المهرجان المسرحي مسرحيون، وكلنا في المهرجان السينمائي سينمائيون، وكلنا في المهرجان الشعري شعراء، وانت في المهرجان المسرحي كائن مسرحي موقت، ولكنك خارج ايام هذه الآيام المهرجانبة المسرحية فانت رجل اخر، وانت خارج المهرجان السينمائي رجل اخر، وهل بهذه الموسمية يمكن تاسيس مسرح عربي حقيقي؟
ومرة أخرى نعود إلى كتاب الدكتور محمد الوادي (المسرح العربي وسلطة القول) حوارات على هامش التحولات – لنتساءل معه ومع المسرحيين المغاربة والعرب في الكتاب عن طبيعة هذه التحولات، وهل هي فعلا تحولات حقيقية، ام هي مجرد ادعاءات وشعارات و تخيلات و شطحات فقط، وإذا كانت هذه التحولات حقيقية، ففي اي اتجاه هي هذه التحولات؟ هل نحو الأجمل والأكمل والأرقى ام نحو ما دون ذلك؟
وفي بحثه عن روح و جوهر وحقيقة هذا المسرح العربي يسالني د. محمد الوادي في الكتاب السؤال التالي:
(المسرح العربي يمر بمرحلة جد حساسة لما للمستجدات المحلية والإقليمية والدولية من انعكاسات على مسيره ومصيره، كيف تستشرفون مستقبله؟)
وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:
(هذا المسرح العربي هو بالأساس كائن حي، مثلنا جميعا نحن الأحياء، له ما لنا، وعليه ما علينا، وهو في حاجة مثلنا إلى جرعة أكبر من الحرية، وإلى جرعة أكبر من العقل ومن العقلانية ومن الصدق ومن المصداقية، وإلى جرعة أكبر من الاجتهاد الفكري والعلمي، وإلى جرعة أكبر من الثقة في النفس ومن القدرة على اقتراف الاختلاف الجاد، وذلك في المواقف الجادة، وهو محتاج أيضا إلى جرعة أكبر من الصمود ومن الإصرار ومن التحدي، ونعرف جميعا أن واقع هذا المسرح العربي اليوم هو واقع سوريالي وعبثي ولا عقلاني، واقع يسكنه الخوف المرضي من التعبير الحر، ومن مقاربة القضايا الحقيقية في المجتمع، وهو مسرح تقيم فيه التقية السياسية، إلى جانب النفعية الحزبية، ويحضر فيه النفاق الاجتماعي أيضا، بكل أقنعته الكرنفالية، وتؤثثه الإشاعة والنميمة والإغتباب، وأيضا، يحضره العجز على المواجهة وعلى الحوار وعلى الجدل الفكري العاقل، في هذا المسرح كواليس مظلمة كثيرة جدا، وهي أهم وأخطر من الخشبات المفتوحة والمضاءة، وهذا الخوف هو الذي يحرض على الانعزال وعلى الكسل وعلى الانغلاق، ويحرض على طلب الأقرب والأسهل والأرخص، والذي لا يكلف شيئا، ولهذا يهرب هذا المسرح من الإبداع إلى الاتباع، ويهرب من التأليف إلى التوليف، ويهرب من الكتابة المسئولة إلى الترجمة والاقتباس وإلى الإعداد والسرقة، وكل ذلك، من أجل أن يقدم مسرحيات لا تقول شيئا، ولا تقترح شيئا، ولا تنتقد شيئا، ولا تؤسس شيئا)
هو مسرح فيه مهرجانات مسرحية كثيرة جدا، قد تفوق عدد المسرحيات التي يتم انتاجها سنويا، وبه عروض سرحية تعرض سرا، من غير ان يراها اي احد، ومن غير ان يسمع بها اي احد، ومن غير ان يكتب عنها اي احد.
و أعتقد أن مصير المسرح العربي رهين بأن يعرف هذا المسرح طريقه، وأن يعرف أن مستقبله موجود في العلم والفكر، وأنه لا مستقبل لفرجة ( حافية) لا وعي فيها، ولا فكر فيها، ولا علم فيها، ولا معاناة فيها، ولا سؤال فيها، ولا حوار فيها، ولا وجود للناس فيها،ولا القضايا الناس فيها.
ويبقى السؤال، في هذا الوطن العربي الكبير يوجد الناس، وتوجد معهم اسئلتهم و قضاياهم، ولكن، هل هذا المسرح الذي تعتبره مسرحهم هو فعلا مسرحهم ؟
واين كتاباتهم الإبداعية في هذا المسرح؟
واين فكرهم و علمهم وثقافتهم في هذه الكتابات؟
واين فنهم وجماياتهم و اخلاقياتهم وواقعهم وتاريخهم في هذه الكتابات؟
الفن ابداع ولا ابداع في الاتباع
وفي سؤال اخر يقول د. محمد الوادي ما يلي:
(مسرحنا العربي ظل، منذ تأسيسه، رهين إشكاليات وأسئلة البدايات والتأريخ والأصالة والمعاصرة.. هل بدأ يتخلص من هذه النزعة في اتجاه مشروع فني حضاري؟
وفي جوابه يقول الاحتفالي؛ (إن أهم القضايا في الثقافة العربية الحديثة، وأغربها، وأغلبها أيضا، قد كانت دائما قضايا خاطئة ومغلوطة، ولقد طرحت في مجملها عبر أسئلة فقهية بيزنطية غريبة جدا، وذلك من مثل سؤال الأسبقية في التأسيس للشعر العربي الحر، وهل تعود لهذا البلد أم ذاك، وهل لهذا الاسم أم لغيره، كما أثير لغط صحافي كبير عن لغة المسرح، وبأيها ينبغي أن يكتب الكاتبون، بالفصحى أم العامبة، وكأن هذه العامية ليست مجرد لهجة من لهجات هذه اللغة الأم، والتي يمكن أن تنطقها كما تشاء، من غير ن يتعارض ذلك مع أصلها ومرجعها، والذي هو أساسا لغة العلم والفكر ولغة الكتابة، وأثيرت مسألة الأصالة والمعاصرة، مع أنه لا تعارض بينهما، لأن ما هو أصيل هو حديث ومعاصر بالضرورة، لأنه يمثل الحقيقة وروح الحقيقة، وما هو حقيقي لا يمكن أن يلحقه القدم، ألبس شكسبير الأصيل معاصرا دائما وأبدا؟ ألم يكتب يان كوت كتابا مهما وخطيرا عن شكسبير ويعطيه عنوان ( شكسبير معاصرنا)؟ كما أثيرت مسائل أخرى بشكل خاطئ ومغلوط، وذلك من مثل مسألة الواقعية والمثالية ومسألة النخبوية والشعبوية، ومسألة الإبداع المسرحي والتنظير الفكري، ومن منهما يسبق الآخر، ولقد أكدت دائما أن هذه المسألة ( الفقهية) تشبه مسألة الدجاجة والبيضة، وأيهما سبق الآخر إلى الوجود، وهذا بالإضافة إلى مسألة الواقع والتراث، وكأن هذا التراث الحي ليس جزء من هذا الواقع الحي، وكأن الماضي يمكن فعلا أن يموت، مع أن الأصل في الأشياء والأجساد والأفكار أن تحيا في العقول والنفوس والأرواح الحية، وأن تموت بالمقابل في العقول وفي النفوس وفي الأرواح الحية)
وهذا المسرح العربي اليوم، في اغلبه هو مسرح اداري، فيه كثير الملفات، وفي هذه الملفات كثير من الأوراق وفي هذه الأوراق كثير من الوعود ومن الأفكار المجردة، ومن الحسابات التي لا علاقة لها بالفن والفكر والعمل.
وفي هذا المسرح العربي، من الترجمات ومن المقتبسات ومن المختلسات، أكثر مما فيه من الكتابات ومن المؤلفات ومن الإبداعات ، وفيه من الشكليات اكثر مما فيه من الأساسات، وهو مسرح يعيش تحت مظلة الإدارة، وكل ما يسعى اليه هو ان ترضى عنه الإدارة، وهو يتكلم اكثر مما يفكر، وهو حين يتكلم لا بقول شيئا، وهو ينتج مسرحيات لها عناوين واسماء كثيرة جدا، وذلك من خارج اي مسرح له فلسفة معينة، وله اسم من الأسماء، وله خط فكري واضح، وله مسار يسير فيه، وله فلسفة أخلاق ينضبط بها.
وهو مسرح يحسن فعل الثرثرة، سواء في العروض المسرحية أو في الندوات أو في التصريحات الصحفية او على هامش المهرجانات و الملتقيات المسرحية، وفي اغلب الأحيان فقط على مقاعد المقاهي، وهو يسمي تلك الثرثرة، مرة يسميها ابداعا مسرحيا، وما هي ابداع ولا هي شبه ابداع، ومرة اخرى بسميها نقدا مسرحيا، ومتى كان هناك نقد بدون رؤية وبدون قاعدة فكرية وبدون منهجية وبدون خط فكري وبدون مشروع فكري، وبدون افق يتغيا النقد الوصول اليه؟
