مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 4

مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 4

حين تختبر الكرامة 

الحلم والانكسار 4

عتبة كلامية :
من انكسار الحلم الى حكمة التكيف

ثريا الطاهري الورطاسي

ليس الانكسار نهاية الحلم كما قد يبدو في لحظته الأولى ، بل هو تلك اللحظة الدقيقة التي يُجبر فيها الحلم على مراجعة نفسه ، ليخرج من براءته الأولى الى وعي أكثر تعقيدا . وفي عمق كل انكسار ، تنبثق امكانية غير مرئية تتوخى اعادة النظر في الطريقة التي نتمثل بها ذواتنا داخل العالم . فالانكسار بهذا المعنى ، ليس سقوطا … بل تفكيكا صامتا لصورة قديمة ، تمهيدا لولادة علاقة جدبدة مع الواقع . ومنه لا يكون التكيف استسلاما ، بل استجابة ذكية لنداء داخلي يقول : إن لم ينجح بالقوة ،قد ينجح بالفهم . يتحول معه الألم من عائق إلى معبر ، من جرح إلى معرفة ، من نهاية متوهمة إلى بداية أكثر نضجا . وعند هذه العتبة المدخلية تحديدا ، بدت تلك الأصداء التي استقرت في داخلي مجرد بقايا من تجربة مضت وانقضت . بل كانت اشارات خافتة تدعوني الى إعادة النظر ، لا فيما حدث خلالها ، بل حتى في الطريقة التي يمكن أن أستوعب بها ما يحدث . فحين يمضي الزمن ، تهدأ المشاعر ، يخفت ثقل الذكريات ، يبدأ نوع اخر من الانصات . انصات لا يبتغي البحث عن الماضي واسترجاعه ولا يروم استذكاره ، وإنما يتوخى استخلاص معانيه واستجلائها . فلم يعد ما عشته وعانيته هناك مجرد حكاية شخصية، بل صار سؤالا مفتوحا على ما هو أوسع وأعم : على التعليم … على الانسان … على تلك الحدود الدقيقة بين الرفض والقبول ، بين الكرامة والتنازل ، بين الصمود والإنبطاح . فبدأت أرى التجربة لا كحدث انتهى وراح إلى غير رجعة ، بل كدرس لم يكتمل بعد .

دروس لا تُدَرَّس … في الكرامة والمعنى

في البدء أعترف أن تجربتي في عُمَان لم تعد مجرد ذكرى أستعيدها بين الحين والاخر ، ولا هي حكاية أرويها لمن يسأل . لقد صارت مع توالي الأيام ومرور السنين ، جزءا من طريقتي في فك شفيرة كل ماغَمُضَ من الأمور ، وعدسة خفية تسمح لي برؤية مالم أكن قادرة على رؤيته من قبل . فبعد أن كنت أعتقد في بداياتي المهنية ، أن التعليم معارف تُنقل وخِبْرات تُوصَل ، وأن قيمة الأستاذ (ة) تُقاس بما يقدمه ويبنيه مع تلامذته من دروس وخلاصات قِيمِيَةٍ ، وقدرته على اتمام البرامج التعليمية ، وإعداد نزلاء صَفِهِ الدراسي لإجتياز شبح الإمتحان بأمان . غير أني بعد تلك التجربة ، بدأت أرى ماهو أبعد من ذلك بكثير . فالتعليم في جوهره ، ليس مانقوله وحسب ، بل هو مانكونه عند كل قول . هو ذاك الخيط غير المرئي الذي يربط بين إنسان واخر ، بين ثقة قد تُبنى أو هي إلى الهدم سائرة . ففي ” السويح ” لم يكن النقص في المعينات الديداكتيكية هو ما أرهقني ، بل الاحساس بأن الفعل والممارسة التربوية محاصرة ومقننة إلى أبعد الحدود. وأن الأستاذ ( ة ) يبقى مشلولا أو غير قادر على حمل رسالته التعليمية التعلمية،ويصير موضوع مراقبة تسلطية مِن بعض مَن يتحملون / يتحملن مسؤولية الإدارة والتسيير وهم لا قِبَلَ لهم بها لا من قريب أو بعيد . من هنا بالضبط صرت أفهم أمرا لم أكن أراه بوضوح ، من قِبَل : فالكرامة ليست قيمة خارج العمل ، بل هي شرط من شروطه . فلا يمكن للإنسان أن يعطي بصدق ، وهو يشعر بأن جزءا منه مُقَيَّد ، أو أن صوته مُراقَب حتى قبل أن يُسْمَع ، وأن خطواته محسوبة .
بعد عودتي إلى الديار ، لم يتوقف السؤال عند حدود تلك التجربة . بل صار كخيال تابع لي وامتد الى مواقف حياتية أخرى ، وإلى تفاصيل صغيرة كنت أتجاوزها في السابق . فصرت أكثر انتباها إلى ما يحدث خلف الكلمات ، أو هي حاملة له في طياتها.وأكثر حساسية… تموقفا تجاه كل ما يُفْرَض دون تفسير. كنت أجدني عائدة إلى نقطة البدء :

ما الذي يمكن أن أقبله ؟ . وما الذي يجب أن أرفضه ؟

وهنا أذكر أننا قبيل الإنتهاء من مناقشة أحد دروس التاريخ ،توقفت فجأة لأسأل تلاميذ الباكلوريا – شعبة الاداب العصرية بالدار البيضاء – قائلة :

هل تدركون ما هو أصعب شيء في الحياة ؟

فجاءت الأجوبة متعددة ، الأمر الذي يعني تعطشهم لنقاش قضايا الحياة . فخَلُصْنا إلى تجميع النقاش في القول بكل هدوء :

المهم أن نعرف متى تقولون نعم … ومتى نقول لا

فذاك ما يُشَكٍّل خلاصة الطريق التي لم تكن درسا في المقرر ، وإنما درسا في الحياة المستقبلية لهم / لهن . فالغربة لم تعد تعني لي الإبتعاد عن الوطن ، بعد أن اكتشفت أن الانسان قد يكون في بلده ، ومع ذلك يشعر بشيء من الإغتراب المزدوج عندما يفتقد صوته،أو حينما لا يُصْغِي إليه أي أحد . يجد نفسه في مكان بعيد ،فيكتشف ذاته بشكل أوضح وهكذا لم تعد الغربة عندي مكانا جغرافيا فحسب ، بل صارت حالة من الوعي . ومعها بقيت الكثير من الأسئلة مفتوحة :
* هل يمكن أن أستمر أكثر ؟
* هل كان الصبر بتغيير كل شيء مجديا ؟
* هل كان قرار التخلي عن اتزام مصحوب بإنسحاب ، قرارا حتميا … أم اختيارا موفقا ؟
لكنني مع مضي الوقت ، لم أعد أبحث عن اجابات نهائية . وتعلمت أن بعض الأسئلة لا تُغلق ، بل تظل مرافقة لنا كي لا نعود كما كنا من قبل . في لحظة هدوء تام ، عدت الى نفسي لأسألها دون تردد :  ماذا ربحتِ ثريا من كل هذا ؟

لم يأت الجواب سريعا ، لكنه جاء واضحا : ربحتُ وعيا لا يُدَرَّس … هدوءا لا يشترى … شجاعة صغيرة وحاسمة . فلم أعد أبحث عن الكمال في التجارب الحياتية التي توالت علي وأنا المنتقلة إلى الدار البيضاء ، ثم الى طنجة … ولست أدري الى أين سينتهي بي المقام … ولم أعد أفتش عن النهايات المثالية . فصار يكفيني أن أكون صادقة بالأساس مع نفسي … زوجي …ابني … كُنَّتِي . وأن أحتفظ بذاك التوازن الدقيق بين ما أستطيع تحمّله … وما يستوجب مني الرفض . وها أنا اليوم ، وبعد مايزيد عن 35 سنة مضت ، حين أسترجع تلك الفترة الزمنية التي قضيتها بعُمَان، لا أراها مجرد مرحلة عابرة ، بل صارت نقطة تحوّل صامتة عندي ، ساعدتني على ترتيب أولوياتي ، وجعلتني أرى الحياة من زاوية أكثر إنسانية .
وفي نهاية هذا البوح أقول أننا لا نختار دائما الظروف التي نمرُّ بها ، لكننا نختار كيف نعيد قراءتها .

شخصيا اخترت أن أراها درسا لا جرحا. وأن أجعل منها بداية لا نهاية . وأن أواصل طريق التحدي ، بخطى أكثر هدوءا ، لكن بوعي لا يشبه ماكنت عليه سابقا .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *