نوستالجيا
“خنشة السكر”… نوستالجيا التدوير وحكمة التدبير

لم يكن السكر، في الذاكرة الشعبية المغربية، مجرد مادة تذوب في كأس شاي أو تستعمل في إعداد الحلوى. كان يدخل البيت مؤونة مطمئنة، ويحضر في الضيافة علامة على الكرم، شاهدا على زمن كانت فيه الأشياء تحفظ ولا يفرط فيها بسهولة. ومن بين الصور الراسخة، تبرز خنشة السكر ذات الاثنين والثلاثين قالبا، لا بوصفها وعاء للتخزين فقط، بل جزءا من تدبير منزلي دقيق، لكل عنصر فيه استعمال، ولكل بقايا منفعة.

كانت القوالب البيضاء تذهب إلى الشاي والضيافة، ويجد التبن طريقه إلى علف الدواب، وتعود الخنشة بعد تفريغها إلى خدمة البيت، بينما تحفظ القنبة والورق لحاجات أخرى. هكذا لم تكن خنشة السكر غلافا عابرا، بل صورة لزمن يمدد عمر الأشياء، ويستخرج من البسيط أكثر من فائدة.
الخنشة متعددة المهام
كانت “خنشة السكر” تدخل البيوت محملة بالقوالب البيضاء، فيستقبلها أهل الدار كما تستقبل المؤونة الكبيرة. كان وجودها يعني أن الشاي لن ينقطع، وأن البيت يملك شيئا من الأمان الغذائي في زمن كانت فيه المشتريات تحسب بدقة.
لكن دورها لم يكن ينتهي بانتهاء السكر. فبعد تفريغها، كانت تنفض وتعاد إلى الخدمة. تملأ بالزرع، أو بالكبال، أو بالشريحة، أو تستعمل لحاجات السوق والدكان. وهنا تظهر صورة من التدبير؛ إذ لم تكن ترمى بعد استعمالها الأول، بل تمنح وظيفة جديدة كلما دعت الحاجة.
تبن وخيش باستعمالات مرصودة
كانت “الخنشة القديمة” تكشف فلسفة في التعامل مع المواد. فالتبن الذي يرافق القوالب لا يرمى، بل يجد طريقه إلى علف الدواب. والخيش نفسه يتحول إلى وعاء جديد، بينما تبقى بقايا التغليف صالحة لما تحتاجه الدار. هذه التفاصيل تعبر عن نمط عيش يقوم على الاستفادة من كل عنصر؛ فالأمر لم يكن فقرا في الحيلة، بل غنى في التدبير.
القنبة من الشد إلى العلاج الشعبي
من مكونات “خنشة السكر” العالقة في الذاكرة القنبة، ذلك الرباط الذي كان يشد القوالب أو يغلق الخنشة. كانت القنبة الرقيقة تستعمل في ربط فمها وإحكامه، حتى لا يتسرب منها ما حفظ بداخلها. أما القنبة الغليظة، فكانت تحتفظ بها البيوت لأعمال أقوى، ومنها تعليق أضحية العيد.
وللقنبة حكاية أخرى في الذاكرة الشعبية؛ إذ لم تقف عند حدود الربط والشد، بل دخلت، بما حملته من اعتقادات قديمة، مجال التداوي المنزلي. كان بعض الناس يستحضرون دخانها عند الدوخة ووجع الرأس، في زمن كانت البيوت تصنع علاجاتها من المتاح، وتستند إلى خبرة متوارثة أكثر من معرفة مكتوبة.
درع الشتاء: الخنشة سقف للطريق
من أكثر الصور تأثيرا أن تتحول الخنشة، في أيام المطر، إلى قب أو غطاء يحمله التلميذ فوق رأسه وكتفيه في طريقه إلى المدرسة. لم تكن المظلات متاحة للجميع، ولا المعاطف الواقية في متناول كل بيت. لذلك كانت تقوم مقام السقف المؤقت، وتحمي الجسد الصغير من قسوة الشتاء، في صورة تحمل معنى الصبر والتكيف.
دكان الحومة… رابعة سكر وقطعة حلوى
كان حضور السكر يمتد إلى دكان الحومة، حيث يذهب الطفل بخنشة مطوية أو بقطعة منها، وفي يده دراهم معدودة، ليشتري رابعة سكر، أو بيضتين، أو قطعة حلوى بما تبقى من النقود. لم تكن تلك المهمة مجرد ذهاب وإياب، بل جزءا من تربية يومية على الحساب وحفظ الأمانة.
في ذلك الزمن، كان الدكان مدرسة أخرى للتدبير. كمية قليلة من السكر تكفي لبراد شاي، وقطعة حلوى بثمن زهيد تصنع فرحة، والدرهم المحسوب يعلم الصغير أن الحاجة تقاس بما ينفع لا بما يلمع.
ورقة الغلاف… من حفظ السكر إلى حفظ الحروف
حتى الورق الأبيض الذي كان يرافق السكر لم يكن يضيع. كان يفرد ويحفظ، وقد يتحول إلى مساحة للكتابة والتمرين قبل شراء كراس صغير من اثنتي عشرة ورقة. لم يكن الغلاف ينتهي بانتهاء وظيفته الأولى؛ بل يدخل في دورة الاستعمال مثل غيره من مكونات الخنشة.
وهنا يظهر جانب آخر من حكمة التدبير. فالورق الذي حفظ القالب من الغبار والرطوبة، كان يجد حياة ثانية بين يدي طفل يكتب عليه، أو ينجز فيه تمرينا، أو يجرب فوق بياضه حروفا وأرقاما. هكذا كانت الحاجة تحول البقايا إلى أدوات نافعة، وتمنح خنشة السكر بعدا يتجاوز المطبخ والمخزن، لتدخل المدرسة والدفتر والطفولة.
