من التفسير الى التبرير 6
نوافذ في صدق المعنى 6
عتبة كلامية للربط :
من الانكشاف الى اعادة التأسيس

ان أي انكشاف على شدته ، لا يراد له أن يكون مقاما دائما . فليس الغرض أن نظل عالقين في تصدع يكشف هشاشتنا ، بل نتوخى حمله كأثر يعيد ترتيب نظرتنا الى ما نعتقده … نَعدّه ثابتا . في تلك اللحظة التي نرى فيها أنفسنا دون أقنعة ، فلا يكون السؤال : ماذا فقدنا ؟ بل ماالذي يمكن أن نعيد بناءه ، على نحو أكثر صدقا ؟ . فذاك الانكشاف ان لم يتحول الى وعي ، سيظل مجرد لحظة عابرة من الاضطراب . أما حين يُسْتثمر في الصمت والتأمل ، فانه يُصبح بداية طريق اخر : طريق نعود فيه الى التفسير ، لا كملاذ نحتمي به بل كأفق نتعلم داخله كيف نفهم .. دون أن نخون ما فهمناه. ومن هنا لا يكون مايلي امتدادا لما سبق ، بل يغدو تصحيحا لمساره .
حين يستعيد التفسير شرفه
بعد أن ينقشع غبار التبرير، لا تعود الأشياء كما كانت ، ولا نعود نحن كما كنا . ننظر الى ما سبق ، فنراه لا كخطأ ينبغي انكاره ، بل كمسار يستوجب الفهم . مسار كشف لنا – بقدر ما أخفى – حدود قدرتنا على رؤية الحقيقة دون أن نلوِّنها برغباتنا المتعددة . في هذا الأفق الجديد ، لا يعود التفسير فعلا تلقائيا ، بل يصبح ممارسة واعية اليقظة:
* يقظة تجاه اللغة ، حين تميل الى التخفيف بدل الكشف
* يقظة تجاه الذات ، حين تبحث عن الاتساق أكثر من بحثها عن الصدق
وهنا – بالضبط – يتغير معنى الفهم نفسه .
لم يعد الفهم أن نصل الى جواب ،بل أن نُحسن طرح السؤال . أو نُمسك بالحقيقة ، بل أن نقترب منها دون أي ادعاء لامتلاكها . فندرك أن الحقيقة ليست سطحا نُكشفه دفعة واحدة ، بل طبقات تتطلب الكثير من الصبر… التواضع … الاستعداد الدائم للتراجع وفي هذا الادراك ومن خلاله يستعيد التفسير بعده الأخلاقي .ليس لأنه صار معصوما ، وانما لانه صار مسؤولا عن مايقوله … ما يخفيه … عن أثره فينا قبل غيرنا . لنصبح أكثر احتياطا وحذرا في اصدار الأحكام ، لا خوفا من الخطأ ، بل احتراما لتعقيد ما نحن بصدد مقاربة فهمه . فنُبطئ وثيرة اليقين ، ونفسح مجالا للشك ، لا كضعف بل كشرط من شروط النزاهة . فيتحول التفسير الى نوع من التربية الداخلية القائمة على أن نتعلم :
كيف نُصغي دون أن نستعجل الرد .
كيف نفهم دون أن نسارع الى الدفاع .
كيف نُخطئ دون أي تبرير .
في هذا المنحى لا يعود التفسير طريقا الى الاطمئنان السريع ، بل الى قلق مٌثمر،قلق يحمينا من السقوط مرة أخرى في وهم الفهم . ومن هنا لا يكون شرف التفسير في بلوغه الحقيقة ، بل في السعي اليها بكل أمانة . فيظل مفتوحا ، قابلا للمراجعة ، مستعدا لأن يُعَادَ النظر فيه كلما انكشفت زاوية جديدة من المعنى . ويبقى ذاك هو التحول الأعمق في هذه الرحلة ، فننتقل من الرغبة في أن نكون على حق ، الى الرغبة في أن نكون صادقين . ومن هنا أيضا لا يكون التفسير نهاية المسار ، بل بدايته الحقيقية… بداية نعود فيها الى العالم … الى أنفسنا … الى الاخر . بعيون أقل يقينا وأكثر انصاتا
