من التفسير الى التبرير 6

من التفسير الى التبرير 6

نوافذ في صدق المعنى 6

عتبة كلامية للربط :
من الانكشاف الى اعادة التأسيس

    المختار عنقا الادريسي

ان أي انكشاف على شدته ، لا يراد له أن يكون مقاما دائما . فليس الغرض أن نظل عالقين في تصدع يكشف هشاشتنا ، بل نتوخى حمله كأثر يعيد ترتيب نظرتنا الى ما نعتقده … نَعدّه ثابتا . في تلك اللحظة التي نرى فيها أنفسنا دون أقنعة ، فلا يكون السؤال : ماذا فقدنا ؟ بل ماالذي يمكن أن نعيد بناءه ، على نحو أكثر صدقا ؟ . فذاك الانكشاف ان لم يتحول الى وعي ، سيظل مجرد لحظة عابرة من الاضطراب . أما حين يُسْتثمر في الصمت والتأمل ، فانه يُصبح بداية طريق اخر : طريق نعود فيه الى التفسير ، لا كملاذ نحتمي به بل كأفق نتعلم داخله كيف نفهم .. دون أن نخون ما فهمناه. ومن هنا لا يكون مايلي امتدادا لما سبق ، بل يغدو تصحيحا لمساره .

حين يستعيد التفسير شرفه 

بعد أن ينقشع غبار التبرير، لا تعود الأشياء كما كانت ، ولا نعود نحن كما كنا . ننظر الى ما سبق ، فنراه لا كخطأ ينبغي انكاره ، بل كمسار يستوجب الفهم . مسار كشف لنا – بقدر ما أخفى – حدود قدرتنا على رؤية الحقيقة دون أن نلوِّنها برغباتنا المتعددة . في هذا الأفق الجديد ، لا يعود التفسير فعلا تلقائيا ، بل يصبح ممارسة واعية اليقظة:
* يقظة تجاه اللغة ، حين تميل الى التخفيف بدل الكشف
* يقظة تجاه الذات ، حين تبحث عن الاتساق أكثر من بحثها عن الصدق
وهنا – بالضبط – يتغير معنى الفهم نفسه .
لم يعد الفهم أن نصل الى جواب ،بل أن نُحسن طرح السؤال . أو نُمسك بالحقيقة ، بل أن نقترب منها دون أي ادعاء لامتلاكها . فندرك أن الحقيقة ليست سطحا نُكشفه دفعة واحدة ، بل طبقات تتطلب الكثير من الصبر… التواضع … الاستعداد الدائم للتراجع وفي هذا الادراك ومن خلاله يستعيد التفسير بعده الأخلاقي .ليس لأنه صار معصوما ، وانما لانه صار مسؤولا عن مايقوله … ما يخفيه … عن أثره فينا قبل غيرنا . لنصبح أكثر احتياطا وحذرا في اصدار الأحكام ، لا خوفا من الخطأ ، بل احتراما لتعقيد ما نحن بصدد مقاربة فهمه . فنُبطئ وثيرة اليقين ، ونفسح مجالا للشك ، لا كضعف بل كشرط من شروط النزاهة . فيتحول التفسير الى نوع من التربية الداخلية القائمة على أن نتعلم :
كيف نُصغي دون أن نستعجل الرد .
كيف نفهم دون أن نسارع الى الدفاع .
كيف نُخطئ دون أي تبرير .
في هذا المنحى لا يعود التفسير طريقا الى الاطمئنان السريع ، بل الى قلق مٌثمر،قلق يحمينا من السقوط مرة أخرى في وهم الفهم . ومن هنا لا يكون شرف التفسير في بلوغه الحقيقة ، بل في السعي اليها بكل أمانة . فيظل مفتوحا ، قابلا للمراجعة ، مستعدا لأن يُعَادَ النظر فيه كلما انكشفت زاوية جديدة من المعنى . ويبقى ذاك هو التحول الأعمق في هذه الرحلة ، فننتقل من الرغبة في أن نكون على حق ، الى الرغبة في أن نكون صادقين . ومن هنا أيضا لا يكون التفسير نهاية المسار ، بل بدايته الحقيقية… بداية نعود فيها الى العالم … الى أنفسنا … الى الاخر . بعيون أقل يقينا وأكثر انصاتا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *