من التفسير الى التبرير (5)
نوافذ في صدق المعنى 5

عتبة كلامية :
ليس كل ما يبنى في دواخلنا صلبا كما يظن الكثير منا. ويبقى بعض ما نحكم صياغته من تفسيرات، ونتقن الدفاع عنه من مواقف ، يخفي في عمقه شقوقا لا ترى وإنما تحس ، فتبقى مستترة الى أن يحين أوانها . وبعد مسار طويل من الفهم المنزلق إلى تبرير ، ومن القرب الذي أضحى حجابا، ومن الخطاب الذي أتقن إخفاء انحيازاته ، نصل إلى لحظة لا تعود فيها اللغة كافية. لحظة لا يسعنا فيها أن نفسر أكثر، بل أن نُصغي … لا لما نقوله، بل لما يتصدع في دواخلنا .
وفي هذه النافذة الخامسة ، أجدني لا أبحث عن معنى جديد فحسب ، بل أواجه ما هو مستخفي وراء المعاني . إنها لحظة دقيقة،لا تقاس بالقدرة على الشرح، بل على امكانية التوقف عن التبرير والاقتراب بصدق من أنفسنا .
حين تتولد الجرأة على الانكشاف
رغم ما ينسجه التبرير من اتساق ظاهري ، يبقى في الداخل شيء عصيّ على الإخماد ،وكأنه صوت خافت ،لا يجادل… لا يقدم براهين ، لكنه يقلق …يظهر في لحظات غير متوقعة : في صمت طويل ، سؤال عابر ، شعور غامض ، يفضي الى أن ما نقوله لا يطابق تماما ما نشعر له . فنحاول في البداية تجاوزه … نسارع إلى تصيد تفسير له … نلفه بمزيد من الشرح … نعيد
ادراجه ضمن السردية التي اعتدناها . لكن صوته لا يختفي ، بل يظل منتظرا حتى تأتي اللحظة التي لا يعود فيها ممكنا احتواؤه . لحظة يتعب فيها التبرير من حمل ما لا يحتمل ، وتبدأ الشقوق في الظهور داخل البناء الذي كنا نظن أنه متماسكا، وقد أصيب بتصدع صامت . يُشْعِرنا باتساع المسافة بين مانعيشه ومانقوله عنه ، اتساع لا يمكن تجاهله .فيتجاوز السؤال كل ماهو معرفي ليغدو وجوديا : فمن نكون ، حين لا نعود قادرين على تصديق تفسيراتنا وتبريرها بالكامل ؟
في هذه اللحظة بالذات ، لا نواجه خطأ بعينه بقدر ما نواجه أنفسنا … فندرك – ولو لحظة خاطفة – أننا لم نكن نبحث عن الحقيقة كما هي ، بل عن صيغة منها تسمح لنا بالاستمرار دون قلق.وهنا يظهر الاختيار الأصعب:
فإما أن نعيد ترميم التصدع بمزيد من التبرير ،ونستعيد معه توازنا زائفا ، أو نؤجل المواجهة مرة أخرى … أو أننا :
* نختار التوقف .
* نبقى سجيني ذاك التصدع دون استعجال اصلاحه .
* نُصغي لما لا يريحنا ، ولما لا يُرْبكنا .
الانكشاف في هذا المعنى ليس لحظة ضعف ، بل هو فعل شجاعة نادر . شجاعة أن نرى ماكنا نتجنبه ، ونعترف – دون تبرير – بأن فهمنا لم يكن بريئا كما ظننا . وأن نقول لأنفسنا : لم نكن نفسر فقط… كنا نعيد تشكيل ما يحدث حتى نتمكن من احتماله وتحمله . فهذه الجملة رغم بساطتها قد تُحدث انقلابا عميقا ، تُعيد الينا تلك المسافة التي افتقدناها ، وتُحيي فينا القلق المعرفي الذي غاب عنا ، وتفتح بوابة جديدة للفهم … فهم لا ينطلق من الدفاع أو يقوم عليه ، بل يتوخى المواجهة المتزنة ، فلا يعود معها الانكشاف نهاية ، بل بداية دقيقة : بداية العودة الى التفسير ، لا كأداة للنجاة ، بل كطريقٍ نحو الصدق المتناهي .
