من التفسير الى التبرير (5)

من التفسير الى التبرير (5)

نوافذ في صدق المعنى 5

    المختار عنقا الادريسي

عتبة كلامية :
ليس كل ما يبنى في دواخلنا صلبا كما يظن الكثير منا. ويبقى بعض ما نحكم صياغته من تفسيرات، ونتقن الدفاع عنه من مواقف ، يخفي في عمقه شقوقا لا ترى وإنما تحس ، فتبقى مستترة الى أن يحين أوانها . وبعد مسار طويل من الفهم المنزلق إلى تبرير ، ومن القرب الذي أضحى حجابا، ومن الخطاب الذي أتقن إخفاء انحيازاته ، نصل إلى لحظة لا تعود فيها اللغة كافية. لحظة لا يسعنا فيها أن نفسر أكثر، بل أن نُصغي … لا لما نقوله، بل لما يتصدع في دواخلنا .
وفي هذه النافذة الخامسة ، أجدني لا أبحث عن معنى جديد فحسب ، بل أواجه ما هو مستخفي وراء المعاني . إنها لحظة دقيقة،لا تقاس بالقدرة على الشرح، بل على امكانية التوقف عن التبرير والاقتراب بصدق من أنفسنا .

حين تتولد الجرأة على الانكشاف

رغم ما ينسجه التبرير من اتساق ظاهري ، يبقى في الداخل شيء عصيّ على الإخماد ،وكأنه صوت خافت ،لا يجادل… لا يقدم براهين ، لكنه يقلق …يظهر في لحظات غير متوقعة : في صمت طويل ، سؤال عابر ، شعور غامض ، يفضي الى أن ما نقوله لا يطابق تماما ما نشعر له . فنحاول في البداية تجاوزه … نسارع إلى تصيد تفسير له … نلفه بمزيد من الشرح … نعيد
ادراجه ضمن السردية التي اعتدناها . لكن صوته لا يختفي ، بل يظل منتظرا حتى تأتي اللحظة التي لا يعود فيها ممكنا احتواؤه . لحظة يتعب فيها التبرير من حمل ما لا يحتمل ، وتبدأ الشقوق في الظهور داخل البناء الذي كنا نظن أنه متماسكا، وقد أصيب بتصدع صامت . يُشْعِرنا باتساع المسافة بين مانعيشه ومانقوله عنه ، اتساع لا يمكن تجاهله .فيتجاوز السؤال كل ماهو معرفي ليغدو وجوديا : فمن نكون ، حين لا نعود قادرين على تصديق تفسيراتنا وتبريرها بالكامل ؟
في هذه اللحظة بالذات ، لا نواجه خطأ بعينه بقدر ما نواجه أنفسنا … فندرك – ولو لحظة خاطفة – أننا لم نكن نبحث عن الحقيقة كما هي ، بل عن صيغة منها تسمح لنا بالاستمرار دون قلق.وهنا يظهر الاختيار الأصعب:
فإما أن نعيد ترميم التصدع بمزيد من التبرير ،ونستعيد معه توازنا زائفا ، أو نؤجل المواجهة مرة أخرى … أو أننا :
* نختار التوقف .
* نبقى سجيني ذاك التصدع دون استعجال اصلاحه .
* نُصغي لما لا يريحنا ، ولما لا يُرْبكنا .
الانكشاف في هذا المعنى ليس لحظة ضعف ، بل هو فعل شجاعة نادر . شجاعة أن نرى ماكنا نتجنبه ، ونعترف – دون تبرير – بأن فهمنا لم يكن بريئا كما ظننا . وأن نقول لأنفسنا : لم نكن نفسر فقط… كنا نعيد تشكيل ما يحدث حتى نتمكن من احتماله وتحمله . فهذه الجملة رغم بساطتها قد تُحدث انقلابا عميقا ، تُعيد الينا تلك المسافة التي افتقدناها ، وتُحيي فينا القلق المعرفي الذي غاب عنا ، وتفتح بوابة جديدة للفهم … فهم لا ينطلق من الدفاع أو يقوم عليه ، بل يتوخى المواجهة المتزنة ، فلا يعود معها الانكشاف نهاية ، بل بداية دقيقة : بداية العودة الى التفسير ، لا كأداة للنجاة ، بل كطريقٍ نحو الصدق المتناهي .

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *