عبيد التكنولوجيا الحديثة…
هل أصبحتُ تافهًا…؟

لم يكن انضمَامي إلى شبكة وسائط التواصل الاجتماعي (Social Media) العنكبوتية، بما تملكه من إغراء وسلطة رهيبة: يوتيوب، فايسبوك، تويتر، واتساب وغيرها، ممّا أعرفه منها ولا أعرفه، وتلك التي لا علم لي بوجودها، ولا أتتبع أخبارها اعتباطيًّا أو نتيجة اندفاع مبكر. ولم يحصل ذلك من باب الترف، إنما كان ارتمائي بين خيوط عناكبها، بعد أن ترددت طويلا، ثم انجرفت مغمض العينين وراءها وقبلت بقوانينها المجحفة لاحقا مثل عامة الناس، وانجذبت إليها طواعية، ومن دون أن يجبرني أو يغصبني أحد على فعل ذلك.
أعترف اليوم، أنني لم أكن أعلم بهذه الوسائط مثل الكثيرين غيري، قبل بداية الألفية الثالثة، ولا كنت من السباقين إليها، ولا من المتهافتين عليها. كنت أكتفي بالتعامل مع منصة “إم إس إن” التي كانت توفرها لنا شركة مايكروسوفت صوتا وصورة مجانا. ترددت كثيرا قبل أن أفعل، ولكن مع مرور الوقت ألفتها، حتى أنني أصبحت واحدا من روادها، والمخلصين لها والمدمنين عليها مثل باقي الدهماء، والكثيرين من عامة الناس.
حدث ذلك مع البدايات، تارة بحجة تبادل الأفكار والبحث عن التسلية والأخبار والمعلومات، وفي أخرى بدافع البحث عن أصدقاء جدد، قصد التواصل والمعرفة الجادة والهادفة. ولم يخطر في بالي أبدا، أنني سأصبح يوما واحدا من المداومين والمدمنين عليها، مثلي في ذلك، مثل ملايين البشر عبر العالم. اليوم أعترف أنني أجد صعوبة كبيرة في التخلص من سلطة جبروتها، والحد من استحواذها علي كما على الكثير من أوقاتي. لا أكون مرتاحا إلا إذا كان الأنترنيت تحت تصرفي، حتى أنني كنت وإلى وقت قريب، أدفع أقساط الاشتراك الشهري دون أن أستخدمه، إلا فيما كان ينفع عقلي والارتقاء بثقافتي. كان يكفيني أن يكون معي الأنترنيت في البيت أو المقهى. وحين دخلت إلى عوالمها أول مرة، كنت منتصرا على ذاتي ومتحكما في إرادتي، مزهوا بتنوع ثقافتي. كان هدفي الأول والأخير، هو الاستمتاع بمقطوعات ترفيهية وموسيقية شرقية وغربية راقية أو الاستماع بمقاطع خالدة من أغاني: أم كلثوم، أسمهان، عبد الحليم، فيروز، نجاة الصغيرة وغيرها من أصوات الشرق العربي، كما في الغرب الأورو- أمريكي. وما يقابله من جمال موسيقي مغربي- أندلسي: ملحون، طرب الآلة الأندلسية أو أغاني طربية مغربية أخرى من أداء فنانين مغاربة كبار: عبد الهادي بلخياط، ابراهيم العلمي، عبد الوهاب الدكالي، محمد الحياني، نعيمة سميح ولطيفة رأفت على الضفة النسائية، وما يقابلها من جمال كلمة ومغنى غربا وجنوبا في المشرق والمغرب.
أسافر في شبكتها إلى أقصى وأقسى غربة ممكنة في طفولتي، وها أنا اليوم على أبواب كهولتي، حين كان التجوال صباحا ومساء يشكل متعة صوفية وسط أدغال الغابات القريبة من بلدتنا في أرياف تاونات، وتفقد غلات عرصاتها وجنانها من أهم طقوسنا اليومية.
كنا نغازل الطيور في علياء ربيعها، وبين أغصان الأشجار في الأحراش والغابات، وهي ترمم أعشاشها وتطعم فراخها أو تعلمها دروسها الأولية في الطيران، وتدرسهم أبجدية الغناء وفنون الاختباء. تعلمها كيف يمكنها تفادي مكر الإنسان المزمن، وخطر فخاخه المنصوبة في كل مكان، والنيل منها برمية حجر مميتة. كنت أتفرج على جمال الطبيعة، سحرها وغرائبها وغرائبيتها التي لا تختلف عن أفلام ناشيونال جيوغرافيك الوثائقية. كانت تستهويني لقطات زوم الكاميرات المحترفة وسحر عدساتها، وهي تجوب الشرق والغرب في الغابات الاستوائية، وأنا أستحضر في كل ذلك، بشكل موجز، جزءا من أسرار الطبيعة في محيط “أيلة” قريتي، علو جبالها في الريف الشمالي، وانخفاض وهادها وتنوع أنواع طيورها كلما اتجهنا إلى حوض نهر ورغة الجنوبي.
كنت مسكونا دائما في حياتي، بما هو ثقافي نبيل وراقي في داخلي. أحرص أشد الحرص على الحفاظ عليه، وأعمل على التشبث به ما استطعت إلى ذلك سبيلا. كنت أجهز على قراءة رواية في القطار أثناء سفري من فاس إلى الرباط، فيما كانت المسافة بين فاس ومكناس، كافية لتصفح مضامين مجموعة قصصية. أما بالنسبة للدواوين الشعرية، كان يكفي أن يكون قدامي براد شاي أو فنجان قهوة في أي مقهى أجلس فيه، أجهز عليه كاملا بالقراءة، وفي ذهني مشروع قصيدة جديدة. أما الآن، فقد كادت تقل قراءاتي.
كنت دائما شديد الحذر، وأنا أضع رجلي في غابة عنكبوتية يختلط فيها المتجانس والغير متجانس، الصالح بالطالح. صارم في رسم حدود جمركية، لا يمكن تجاوزها بسهولة. وكثيرا ما أشعر بالضجر، وأنا أتناول فطوري في الصباحات الماطرة بالمقهى، وسط ضجيج لا يحتمل، لا أول له ولا آخر، وسط تركيبة بشرية متنافرة: سائقو سيارات الأجرة، ناقلو البضائع، مياومون، سماسرة، موظفون، مأجورون من الذكور والإناث، كلهم يناقضون بعضهم البعض في أذواقهم، لباسهم واهتماماتهم. عالم صوتي موغل في العبثية والفوضوية: أخبار متفرقة، غناء شعبي، تراتيل قرآنية عبر مقاطع اليوتيوب، تختلط فيها المدارس الشرقية والمغربية، وأذواق شعبان مع رمضان.
كنت أرى بعضهم غارقا يتلذذ بسماع سور قرآنية، آخرون يستمعون لأغاني شعبية صاخبة وكلمات ساقطة أحيانا، لا تليق أبدا بأجواء الصباح. آخرون يعيدون سماع تسجيل صوتي لمقابلة كروية قديمة عفا عنها الزمن، يقدمها واصفون رياضيون بحت أصواتهم، وفضحتهم ثقافة سطحية، واسكتشات هزلية يقدمها بعض الفكاهيين الشبه مشهورين من عديمي الموهبة، يكتفون بالظهور ويسترزقون من اليوتيوب وبعض المنصات الاجتماعية. أناس يجمعهم المكان وتفرقهم أذواقهم، مجتمعون ومتفرقون في نفس المكان والزمان. لا أحد ينصت إلى أحد، وكأنهم في جزر منعزلة عن بعضها، تفرق بين عوالمهم سنوات شمسية وضوئية، وملايين من الأميال والكيلومترات وغلافات جوية سميكة.
الغريب في الأمر، أن الكل متسامح ويقبل بذوق الآخرين، لا أحد يحتج على أحد، وهم في اختلاف بين وواضح من أمرهم. وضع كافكاوي غرائبي، لم يكن يقبل به أحد في مجالات مختلفة. ومواقف أخرى متقاطعة أو مشابهة، وكأنهم متنافرون ومتواطئون ضد بعضهم. مشهد درامي مضحك مبكي يعكس التسطيح الذي يعيشه مجتمع كبير في مجتمع صغير يحتضنه مقهى، وضع سوسيوثقافي يحتار السيكولوجيون الماهرون في تفسيره. الناس يستمتعون بأصوات هواتفهم المرتفعة، وضجيج يصم الآذان في غياب تام لفعل السماعات، وهي مركونة إلى جانبهم على الطاولات. نادل المقهى يؤدي بدوره وظيفته اليومية المعتادة، يلبي طلبات زبائن الصباح الباكر في تكاسل، وقد ألفوا وجوه بعضهم البعض، وتعودوا على تقاسيمها. أسرق نظرة خاطفة إلى النادل، أجده هو الآخر في عطالة مؤقتة، عيناه مركزتان على شاشة التلفاز المثبت على الحائط، وأذنه ملتصقة إلى سماعة الهاتف، ومكبر الصوت مختبئ في مكان لا يعرفه أحد إلا هو، وهو يردد في حشرجة سور قرآنية قصيرة بصوت عبد الباسط عبد الصمد، وزبون إلى جانبه يغالب مومه وقد بح صوته، ينادي عليه ليمده بسيجارة…!!
وضع سيتغير سريعا، بعد توافد الزبائن الرسميين، من عاطلين وممتهني الرصد اليومي على الرصيف، بعد طلوع شمس الصباح. حينها، يمتلئ المقهى عن آخره، وتغرقه كل المتناقضات اليومية المألوفة. الزبائن ينفردون بطاولاتهم، وهم يستمتعون بأحضان جريدة، لا محبة في قراءة مضامين عناوينها، ولكن للاستمتاع بملء شبكاتها المتقاطعة. كنت أتضايق سابقا من مثل هذه المشاهد والسلوكيات، أخرج مسرعا إلى عملي أو أستبدل بسرعة مقهى الحي بآخر بعيد عنه. ولكنني غالبا ما كنت أجد نفسي في نفس الروتين والأجواء، ويكون استبدال خدمات النادل وأجواء مقهى ألفتها بأخرى جديدة، مجرد مضيعة للوقت، وإكراها للذات والنفس. ومع مرور الوقت، أصبحت واحدا منهم، أستهلك وأقبل بكل شيء، وأتكيف مع كل ما أصادفه أو يصادفني، في ظل زمن طغت فيه التفاهات، وتناسلت فيه كل أشكال الموبقات في حياتنا، كما تتناسل الطفيليات في جنبات الحقول على سطح الأرض، إن فوق البر أو تحت زرقة السماء. صرنا كلنا عبيدا لهذه الوسائط الاجتماعية، ننصت ونرى، ولكن دون أن نعي ونفهم، أصبحنا مجرد مستهلكين، لا نختار بأذواقنا ما نشاهده في غالب الأحيان. اليوم أصبحت مثلهم، وواحدا منهم. تنازلت طوعا عن صفة المثقف والقارئ والكاتب، حتى لا أقول المفكر، وأعطي فرصة مجانية للبعض، كي يتهمني بالغلو والغرور. أصبحت أتحسس هاتفي في الجيب أول ما أجدني داخل إلى مقهى، ولم يعد الكتاب صاحبي ورفيقي، كما كان يحدث معي من قبل، آخذه من محفظتي كلما خلوت إلى نفسي، وأتصفح بروية كل محتوياته.
هكذا أصبحت تافها، أقرب إلى الدهماء وعامة الناس، عبد ينتمي إلى مجتمع هؤلاء العبيد الجدد الذين استهوتهم التكنولوجيا الحديثة، غرر بهم الذكاء الاصطناعي واستعبدهم. أعاني اليوم في صمت مثلهم من سطوة التفاهة ووسائط التواصل الاجتماعي، وما تقدمه لنا من رداءة وتفاهات. ولكن كيف حصل لي ذلك؟ ومتى؟ وهل صرت فعلا إلى هذه الدرجة تافها…؟ لا أدري…!؟
