كينونة المجتمع الحديث والطبقية المتفردة
المأساة الكبرى .. أن الإنسان صار يجهل نفسه

يشهد في المجتمعات القديمة أن الطبقات الاجتماعية كانت واضحة وصريحة؛ النبيل يعرف نفسه كنبيل، والعامل يعرف موقعه، والسلطة ترتدي لباسها دون خجل. أما في المجتمع الحديث، فقد أصبحت الطبقية أكثر دهاء وتعقيدا. لم تعد تقاس فقط بالمال أو النسب، بل بالقدرة على صناعة الهوية، وامتلاك الصورة، والتحكم في المعنى.
لقد دخل الإنسان الحديث عصرا غريبا؛ عصرا يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا عن الحرية بينما يعيشون داخل أنظمة خفية من التصنيف والعزل. هنا لا يظهر القيد في شكل سلاسل، بل في شكل خيارات لا نهائية. الفرد يظن أنه يختار أسلوب حياته، ذوقه، حتى أفكاره السياسية، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل قوالب صنعتها المؤسسات الاقتصادية والإعلامية والثقافية.
إن كينونة المجتمع الحديث تقوم على مفارقة عميقة: كلما ازداد الحديث عن الفردانية، ازداد تشابه البشر. الناس يلبسون الاختلاف كما يلبسون الموضة، لكنهم في النهاية يعيدون إنتاج النمط ذاته. لقد تحولت الذات الإنسانية إلى مشروع استهلاكي؛ الإنسان لم يعد يعيش ليكون، بل ليرى.
في هذا السياق تظهر الطبقية المتفردة، وهي طبقية لا تعتمد فقط على الثروة، بل على الإحساس بالتفوق الرمزي. فهناك طبقة تمتلك اللغة المناسبة، والذوق المناسب، وطريقة التفكير التي تجعلها تبدو أكثر وعيا أو تحضرا. إنها طبقية ناعمة، لا تقول للآخرين إنهم أدنى، لكنها تجعلهم يشعرون بذلك باستمرار.
وسائل التواصل الاجتماعي مثال صارخ على هذه الظاهرة. فالعالم الرقمي الذي وعد بالمساواة، خلق بدوره أرستقراطية جديدة:
أرستقراطية الصورة والتأثير. عدد المتابعين أصبح شكلا جديدا من السلطة، والقدرة على جذب الانتباه تحولت إلى رأس مال رمزي قد يفوق المال الحقيقي أحيانا. هنا يصبح الإنسان سلعة تعرض نفسها باستمرار، ويصبح القلق جزءا من الحياة اليومية؛ قلق المقارنة، وقلة الاعتراف، والخوف من الاختفاء.
لكن الأخطر من كل ذلك أن المجتمع الحديث أقنع الإنسان بأن فشله فردي بالكامل. الفقير يشعر أنه المسؤول الوحيد عن فقره، والمتعب يعتقد أنه لم يطور نفسه بما يكفي، وكأن البنية الاجتماعية لا وجود لها. وهكذا تتحول الطبقية من نظام خارجي إلى شعور داخلي بالذنب والنقص.
إن الإنسان الحديث يعيش اغترابا مزدوجا: اغترابا عن الآخرين بسبب التنافس المستمر، واغترابا عن ذاته لأنه مضطر دائما إلى تمثيل نسخة قابلة للقبول الاجتماعي.
لقد أصبحت الحياة أقرب إلى مسرح ضخم، والجميع يخاف السقوط من فوق الخشبة.
ورغم هذا التعقيد، لا يزال هناك أمل في استعادة المعنى الحقيقي للوجود الإنساني. يبدأ ذلك حين يدرك الإنسان أن قيمته لا تقاس بما يملك أو بما يعرضه أمام الآخرين، بل بقدرته على العيش بصدق، خارج وهم التصنيفات الجاهزة. فالمجتمع الحديث قد ينجح في تشكيل السلوك، لكنه لا يستطيع بالكامل إلغاء الحاجة العميقة لدى الإنسان إلى الحرية والمعنى والانتماء الحقيقي.
ربما كانت المأساة الكبرى في عصرنا أن الإنسان صار يعرف كل شيء تقريبا عن العالم، لكنه يجهل نفسه أكثر من أي وقت مضى.
