تاقديرت أو خيلوطة..

تاقديرت أو خيلوطة..

من طبخة الأطفال إلى ذاكرة الحي المغربي

تعد ظاهرة تاقديرت، أو تقاديت، أو خيلوطة، من الممارسات الشعبية المرتبطة بعيد الأضحى في عدد من الأحياء المغربية، ولا سيما في مراكش وبعض الفضاءات الشعبية التي ما تزال تحافظ على طقوس الاحتفال الجماعي. وتتمثل هذه العادة في إجتماع الأطفال داخل الأزقة، بعد ذبح الأضحية، من أجل إعداد طبخة صغيرة مشتركة، غالبا في طاجين أو قدر طيني، بإستعمال ما يتيسر لهم من قطع اللحم أو الشحم أو الكبد أو غيرها من مكونات الأضحية. ومن ثم، فهي ليست مجرد فعل غذائي عابر، بل ممارسة اجتماعية وثقافية تتصل بالطفولة، والحي، والذاكرة، والإنتماء.

تحيل تسمية “تاقديرت” أو “تقاديت” في دلالتها الشعبية إلى معنى القدر الصغير أو الطبخة الصغيرة. فاللفظ يرتبط، في الوعي المحلي، بفكرة الإناء البسيط الذي يستعمله الأطفال في إعداد وجبتهم، كما يحيل إلى صغر حجم الطبخة مقارنة بطبخ الكبار داخل البيت. ويعكس هذا الإسم رغبة الطفل في تقليد عالم الراشدين، لكن داخل فضاء خاص به، وبوسائل محدودة تناسب سنه وقدرته. ومن هنا، تصبح تاقديرت اسما دالا على التصغير، والبساطة، والتعلم، والمشاركة في طقوس العيد من موقع طفولي.

أما تسمية “خيلوطة” فترتبط بدلالة الخليط أو المزج، لأن هذه الأكلة لا تقوم على مكون واحد ثابت، بل تتشكل من خليط من المواد التي يحصل عليها الأطفال من بيوت أسرهم أو من الجيران. فقد تضم قطعا صغيرة من اللحم، أو الشحم، أو الكبد، أو بعض الأحشاء، مع قليل من الملح والتوابل. وبهذا المعنى، فإن خيلوطة لا تصف الإناء فقط، بل تصف طبيعة الطبخة نفسها، باعتبارها مزيجا جماعيا من مكونات مختلفة توضع في إناء واحد، وتطبخ في فضاء مشترك.

وتكشف التسميتان معا عن بعدين متكاملين في هذه الظاهرة. فتسمية تاقديرت تبرز جانب الأداة والحجم، أي الإناء الصغير والطبخة الصغيرة، بينما تبرز تسمية خيلوطة جانب المادة والمشاركة، أي إختلاط المكونات واختلاط مساهمات الأطفال. وهذا التعدد في الأسماء يعكس غنى الثقافة الشعبية المغربية، حيث يمكن للعادة الواحدة أن تحمل أسماء مختلفة بحسب المناطق، دون أن تفقد معناها العام أو وظيفتها الإجتماعية.

وتكتسب هذه الظاهرة قيمتها من كونها تنقل العيد من داخل البيت إلى فضاء الزقاق. فالطفل لا يكتفي بالمشاهدة أو إنتظار ما يقدمه الكبار، بل يصبح فاعلا في صناعة جزء من أجواء العيد. فهو يجمع المكونات، ويشارك في إشعال النار، ويراقب نضج الطبخة، وينتظر لحظة الأكل مع أقرانه. وبذلك تتحول تاقديرت أو خيلوطة إلى تمرين إجتماعي صغير يتعلم من خلاله الأطفال التعاون، وتقاسم الأدوار، والصبر، والانتماء إلى جماعة الحي.

كما تمثل هذه العادة شكلا من أشكال التراث غير المادي، لأنها تنتقل عبر الممارسة والذاكرة الشفوية لا عبر المؤسسات الرسمية. فهي تحفظ جانبا من صورة العيد في الأحياء المغربية، حيث يلتقي الديني بالإجتماعي، والغذائي بالإحتفالي، والطفولة بالذاكرة الجماعية. ورغم التحولات التي عرفتها المدن المغربية، وتراجع اللعب في الأزقة، وضيق الفضاءات المشتركة، فإن استمرار هذه الممارسة في بعض الأحياء يدل على قدرة الموروث الشعبي على مقاومة النسيان، وعلى حاجة المجتمع إلى الحفاظ على تفاصيله الصغيرة التي تمنح المناسبات معناها الإنساني العميق.

بناء على ذلك، يمكن القول إن تاقديرت أو خيلوطة ليست مجرد أكلة أطفال، بل ظاهرة ثقافية مصغرة تختزن كثيرا من معاني العيد المغربي. فهي تجمع بين الطبخ واللعب، وبين التقليد والإبتكار، وبين الفرد والجماعة. ومن خلال إسميها، نكتشف أن اللغة الشعبية لا تسمي الأشياء اعتباطا، بل تمنحها أسماء تكشف وظيفتها ودلالتها ومكانتها داخل الذاكرة الإجتماعية.

منير لكماني 28/05/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *