بوجلود أو بيلماون..
الذاكرة المقنعة بين الطقس الشعبي والعمق التاريخي

يثير إحتفال بوجلود، أو بيلماون كما يسمى في عدد من المناطق الأمازيغية، نقاشا متجددا داخل المجتمع المغربي، بين من يراه موروثا ثقافيا أصيلا، ومن يعتبره بقايا طقوس قديمة لا تنسجم مع التصور الديني الحديث. غير أن القراءة الهادئة لهذه الظاهرة تقتضي تجاوز الحكم السريع، لأن الطقوس الشعبية لا تفهم من ظاهرها فقط. فإرتداء الجلود، ووضع الأقنعة، والخروج في مواكب جماعية على إيقاع الطبول والأهازيج، ليست مجرد أفعال عابرة، بل لغة رمزية تحمل آثارا عميقة من الذاكرة الجماعية.
تحيل كلمة بوجلود، في معناها المباشر، على صاحب الجلود أو الرجل المرتدي للجلود، أما بيلماون فيرتبط في اللسان الأمازيغي بمعنى الجلود أو ما يتصل بها. وتكشف التسمية عن مركزية الجلد في هذا الطقس، لأنه لا يحضر بوصفه لباسا عاديا، بل بوصفه علامة إنتقال من الهيئة اليومية المألوفة إلى هيئة احتفالية استثنائية. فالإنسان حين يلبس جلد الأضحية لا يتزين فقط، بل يدخل في شخصية رمزية تقف بين الإنسان والحيوان، وبين الجد والهزل، وبين الخوف والفرجة.
يصعب رد بوجلود إلى أصل واحد قاطع، لأن الطقوس الشعبية تتشكل عادة عبر زمن طويل، وتختلط فيها عناصر محلية وأمازيغية ومتوسطية وإسلامية. لذلك فالأدق أن نقول إن بوجلود يحمل طبقات متعددة من الذاكرة، لا أنه يعود إلى لحظة تاريخية واحدة. فهو يرتبط من جهة بالمجتمعات الزراعية والرعوية التي منحت الحيوان مكانة إقتصادية ورمزية مهمة، ويلتقي من جهة أخرى مع تقاليد كرنفالية قديمة عرفت القناع وقلب الأدوار والفرجة الجماعية. ثم أعيد إدماجه في الزمن الإسلامي من خلال إرتباطه بعيد الأضحى، حيث وفرت الأضحية مادته الأساسية، أي الجلد، ومنحته موعده السنوي.
ولا يمكن فهم بوجلود اليوم خارج علاقته بعيد الأضحى، لأنه يظهر غالبا في الأيام التي تلي العيد، بعد ذبح الأضاحي وتوفر الجلود. غير أن هذه العلاقة لا تعني أنه جزء من الشعيرة الدينية نفسها، ولا تعني كذلك أنه نقيض لها. إنه إحتفال شعبي مواز، يولد في هامش العيد لا في مركزه التعبدي. فالعيد يمنح اللحظة والمواد، أما الجماعة فتضيف الرمز واللعب والفرجة. وهنا تظهر قدرة الثقافة الشعبية على تحويل الجلد، وهو من بقايا الذبح، إلى قناع ولباس وشخصية تتحرك في الأزقة والقرى والمدن.
وتختلف تفاصيل الإحتفال من منطقة إلى أخرى، لكن عناصره العامة متقاربة. يبدأ الطقس غالبا بإعداد الجلود وتنظيفها وخياطتها حتى تصلح للإرتداء، وقد تضاف إليها قرون أو أقنعة أو ألوان أو ملابس ساخرة. بعد ذلك يخرج المشاركون في جماعات تجوب الشوارع، مصحوبة بالطبول والأهازيج والزغاريد أحيانا. ويقوم بوجلود بمطاردة الأطفال، أو مداعبة المتفرجين، أو الرقص وسط الجمهور. وفي بعض المناطق تحول الطقس إلى كرنفال منظم، تشارك فيه فرق وأحياء وجمعيات، وتقدم فيه عروض تجمع بين الزي التقليدي والتعبير الفني الحديث.
ينتشر بوجلود خصوصا في مناطق سوس وما يرتبط بها من مدن وقرى، مثل أكادير، وإنزكان، والدشيرة الجهادية، وآيت ملول، وتزنيت، وبعض نواحي أشتوكة آيت باها. كما يحضر بأشكال مختلفة في بعض مناطق الأطلس الغربي والبيئات الأمازيغية الأخرى. ويكشف هذا الإنتشار أن الظاهرة ليست مجرد عادة محلية ضيقة، بل تعبير ثقافي واسع عن علاقة الإنسان المغربي بالعيد، والجماعة، والجسد، والحيوان، والفرجة.
ومن الناحية النفسية والإجتماعية، يتيح بوجلود للإنسان مواجهة صور الخوف والغرابة بطريقة جماعية. فالطفل الذي يخاف من الشخصية المقنعة يتعلم أن الخوف يمكن أن يتحول إلى لعب وضحك. والكبير الذي يشاهد هذا الكائن الجلدي الغريب يشارك في تفريغ رمزي للتوتر. أما اجتماعيا، فالإحتفال يعيد تنشيط الروابط داخل الحي أو القرية، لأن الناس يخرجون من عزلتهم اليومية، ويتجمعون حول مشهد مشترك، ويتبادلون الضحك والتعليق والفرجة.
ولا ينبغي أن يقرأ بوجلود خارج السياق المغربي المعروف بتدينه ومحافظته، فالمغاربة لا يمارسون هذا الطقس بوصفه عبادة بديلة أو إعتقادا مناقضا للدين، بل بوصفه عادة شعبية وفرجة جماعية ارتبطت بذاكرة محلية قديمة. لذلك فالحكم عليه ينبغي أن يميز بين العقيدة من جهة، والتراث الرمزي من جهة أخرى. فما بقي من الطقوس القديمة داخل الثقافة الشعبية لا يعني بالضرورة إستمرار معتقداتها الأصلية، بل قد يتحول مع الزمن إلى شكل من أشكال اللعب والفرجة والاحتفال. ومن ثم يمكن فهم بوجلود باعتباره تعبيرا ثقافيا مغربيا يحتاج إلى تنظيم وتهذيب، لا إلى شيطنة أو اقتلاع من الذاكرة الجماعية.
إن بوجلود أو بيلماون ليس مجرد رجل يلبس جلد خروف أو ماعز، وليس مجرد ضجيج في الأزقة بعد عيد الأضحى. إنه نص ثقافي مفتوح، تقرؤه العين في القناع، وتسمعه الأذن في الطبول، وتلمسه الجماعة في الضحك والخوف والفرجة. ومن حق الناس أن يناقشوا بعض مظاهره، وأن يرفضوا ما قد يرافقه من فوضى أو إيذاء، لكن ليس من الحكمة أن يمحوا الظاهرة كلها باسم النقاء. فالشعوب التي تحترم نفسها لا تخجل من ذاكرتها، بل تفهمها وتنظمها وتعيد قراءتها.
29/05/26 ألمانيا
