دواز ..كاميلة.. مارميطة…!!!

دواز ..كاميلة.. مارميطة…!!!

 طبق مغربي شعبي يجمع البساطة والنكهة والدفء…

طبق من قلب المائدة اليومية

       منير لكماني

يعد الدواز من الأطباق التي تعيش في تفاصيل اليوم المغربي العادي، أكثر مما ترتبط بالمناسبات الكبيرة. ففي كثير من البيوت يحضر هذا الطبق كوجبة غداء منزلية سهلة، تجمع الخضر والمرق وما تيسر من اللحم أو الدجاج في قدر واحد. وليس سر إنتشاره في التعقيد أو كثرة المكونات، بل في كونه طبقا عمليا، مشبعا، ودافئا، ينسجم مع إيقاع البيت وحاجات الأسرة. لذلك ظل حاضرا في المدن والقرى، وبين الأسر البسيطة والميسورة معا، لأنه قابل للتكييف بحسب ما هو متوفر في المطبخ، من غير أن يفقد طعمه المحبوب أو روحه المنزلية. وهذا ما جعله جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة: أكلة يومية، لكنها عزيزة وقريبة من القلب.

تعدد الأسماء وغنى الاستعمال

من ملامح هذا الطبق أن له أكثر من إسم في اللسان المغربي. فقد يسميه بعض الناس المرقة، بينما يعرفه آخرون باسم المارميطة، أو الدواز، أو الكاميلة. ورغم إختلاف التسميات، فإن المقصود في الغالب واحد: طبخة خضر بمرق متبل، تطهى بهدوء حتى تتداخل النكهات وتصبح الوجبة متكاملة. وهذا التعدد ليس غريبا في المطبخ المغربي، لأن أسماء الأكلات كثيرا ما تتغير من منطقة إلى أخرى، أو من بيت إلى آخر، بحسب اللهجة والعادة وطريقة الطهي. وهنا تبدو التسمية نفسها جزءا من هوية الطبق، لا مجرد علامة لغوية عابرة.

المرقة: الإسم العربي المباشر

أوضح هذه الأسماء هو المرقة، لأن أصلها عربي مباشر، وهي تدل على المرق الذي يقوم عليه الطبق. وقد نصت المعاجم العربية على أن “المرق” هو ما يكون في القدر من سائل الطعام، وأن “المرقة” أخص منه. لذلك جاء استعمال الكلمة في المغرب طبيعيا ومنسجما مع معنى الطبخة نفسها، فهي أكلة أساسها ذلك السائل المتبل الذي يحمل طعم الخضر واللحم والتوابل. ولهذا بقي لفظ المرقة واضحا وسهل الفهم، لأنه يسمي الشيء بأبرز ما فيه.

مارميطة: من الإناء إلى الأكلة

أما المارميطة فهي من الأسماء الأكثر إثارة للإهتمام، لأن أصلها لا يبدو عربيا خالصا. فالراجح أنها ارتبطت باللفظ الفرنسي Marmite بمعنى قدر الطبخ، وهو إناء معدني أو فخاري يستعمل لغلي الطعام وطهيه. والمعاجم الفرنسية القديمة والحديثة تثبت هذا المعنى بوضوح. كما أن لفظ Marmita حاضر في لغات أوروبية أخرى بمعنى قريب. وفي بعض الشروح اللغوية يربط هذا اللفظ بأصل أقدم، قد يصل إلى صيغة لاتينية من نوع Marmita، وإن كانت الإحالة الدقيقة إلى الأصل اللاتيني ليست محل اتفاق تام بين جميع الباحثين. لكن المؤكد في الاستعمال المغربي أن الكلمة إنتقلت من معنى القدر إلى معنى الطبخة نفسها، فصار الناس يقولون “مارميطة” وهم يقصدون الأكلة التي تنضج داخل ذلك الإناء، لا الوعاء فقط.

الدواز والكاميلة: أسماء من قلب الاستعمال الشعبي

أما الدواز فليس له تأصيل لغوي محسوم مثل المرقة، لكن التفسير الشعبي يربطه بالفعل الدارج دوز، أي مر أو مرر. ومن هنا يبدو الإسم قريبا من طبيعة هذا الطبق نفسه، لأنه أكلة تمر كثيرا على المائدة، وتتكرر في الحياة اليومية حتى تصبح جزءا ثابتا من نظام البيت. وقد لا يكون هذا الإشتقاق قاعدة معجمية دقيقة، لكنه ينسجم مع حس الناس واستعمالهم للكلمة.
وبالنسبة إلى الكاميلة أو الكميلة، فهي بدورها تسمية محلية شائعة في بعض البيئات. ويذهب بعض الناس إلى ربطها بفكرة “الأكلة الكاملة”، لأنها تجمع الخضر والمرق وأحيانا اللحم في طبق واحد يكفي وحده لغداء مشبع. ومهما يكن أصلها الدقيق، فإنها تؤدي المعنى نفسه: وجبة بسيطة لكنها وافية.

مكوناته وطريقة حضوره في البيت

يحضر الدواز غالبا من مكونات متوفرة وسهلة: البصل، والطماطم، والبطاطس، والجزر، والجلبانة، والبسباس، مع الزيت والثوم والقزبر والمعدنوس، والتوابل مثل الملح والإبزار والكركم والزنجبيل. وقد يضاف إليه اللحم أو الدجاج، وأحيانا الزيتون أو الحامض المرقد بحسب الذوق. وتكمن جمالية هذا الطبق في أنه لا يحتاج إلى وصفة جامدة، فكل بيت يطهوه بطريقته، لكن النتيجة تبقى واحدة: مرق غني، وخضر طرية، ووجبة تجمع الأسرة حول طعام بسيط ومحبوب.

أكثر من طبق عادي

ليس الدواز مجرد أكلة يومية، بل هو صورة من صور العيش المغربي القائم على البساطة وحسن التدبير. ففيه تتحول المكونات المتوفرة إلى وجبة دافئة، وفيه يظهر كيف يمكن للطعام العادي أن يصير جزءا من الذاكرة. لذلك بقي هذا الطبق حاضرا بأسمائه المختلفة، من المرقة إلى المارميطة إلى الدواز والكاميلة، وكل إسم يروي جانبا من حكايته، لكن المذاق واحد: مذاق البيت المغربي.

08/04/25 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com