عام على رحيل الأستاذ “مصطفى عربة”
في الذكرى الأولى للغياب..

حين يغيب الرجال الودعاء الطيبون وتبقى آثارهم شاهدة عليهم، تمر الأيام مسرعة ، وتمضي الشهور تباعا ، غير أن بعض التواريخ تظل محفورة في الذاكرة لا ولن تمحوها السنون. ومنها يوم الحادي والثلاثون من ماي، الذي حل علينا هذه السنة حاملا الذكرى الأولى لرحيل أخ عزيز وصديق وفيّ هو المرحوم مصطفى عربة، الذي غادرنا لملاقاة ربه. ومع ذلك ظل حاضرا في القلوب بما تركه من أثر جميل وسيرة عطرة وذكر حسن.
لقد جمعتني بالراحل سنوات من العمل المشترك وتَقَاسُمِ كل الأنشطة التربوية والفكرية بإعدادية سيدي معروف / عين الشق، خلال مرحلة امتدت من سنة 1977 الى غاية سنة 1983، وهي سنوات كانت حافلة بالعطاء التربوي والانساني . هناك تعرفت على رجل ضمن نساء ورجال التربية والتعليم ، منهم ( … رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نَحْبَهُ ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا: الآية (23) من سورة الأحزاب ) -لم يكن المرحوم زميل مهنة، بل كان أخا صادقا وصديقا صدوقا ، ممن يندر أن تجود بهم الأيام . وحين غادرت المؤسسة لتولي مهمة التفتيش التربوي لم تنقطع أواصر الأخوة بيننا، بل ازدادت متانة مع مرور الزمن، لأن العلاقات الحقيقية لا تبنيها المصالح العابرة، وانما ترسخها القيم المشتركة والوفاء المتبادل.
كان المرحوم من أولئك الرجال الذين لا يحتاجون الى كلام كثير ليتركوا أثرهم في النفس. فقد كان حضوره هادئا وأخلاقه رفيعة، وابتسامته صادقة تسبق حديثه. فجمع بين التواضع والكرامة، وبين البساطة والاحترام، فتشعر وأنت تجالسه أنك أمام إنسان يحمل في قلبه محبة للناس أجمعين وحرصا دائما على الخير العميم. لم تقتصر بصمته على المجال التربوي – بكل تلاوينه – فحسب بل امتدت الى محيطه الاجتماعي والمدني ، حيث عرفه سكان الحي مستشارا داخل الجماعة الحضرية الفداء، قريبا من همومهم ، منصتا لانشغالاتهم ، ساعيا الى خدمة الصالح العام بما توفر له من جهد وإمكانات .فلم يكن ينظر الى المسؤولية باعتبارها وجاهة أو امتيازا، بل كان يعتبرها تكليفا وأمانة. وكأني به أحد أولئك الذين أشار إليهم الحديث الشريف، ( انهم قوم تُقْضَى على أيديهم حوائج الناس ) . لذلك احْتُفِظَ له بمكانة خاصة في قلوب الجميع، كيف لا وهو الذي كان واحدا من البسطاء، يعيش قضاياهم اليومية ويشاركهم أتراحهم قبل أفراحهم. واذا كانت المناصب تزول، فان ما يبقى هو الأثر الإنساني.
مصطفى رحمه الله، ترك وراءه رصيدا من المودة والاحترام يصعب على أي كان أن يختزله في كلمات … اعتراف … شهادة … فقد كان من الرجال الذين يمرون
في حياة الاخرين بكل هدوء، لكنهم يتركون فراغا كبيرا عند انتقالهم الى ملكوت السماوات. ولذلك لم يكن خبر الغياب … الرحيل … الوفاة، مجرد حدث عابر بالنسبة لأسرته … أصدقائه … معارفه … تلامذته … سكان حيه، بل كان فقدانا حقيقيا لانسان جمع حوله كل القلوب بمحبة صادقة وعلاقات إنسانية نبيلة .
في الذكرى الأولى لرحيله لا نستحضر فقط صورة رجل مخلص محبوب بل نستحضر أخا صدوقا، أستاذا مخلصا، رياضيا متميزا، صديقا وفيا، جارا محبوبا، مواطنا صالحا، انسانا ظل حريصا على أن يترك في كل مكان مرّ منه أثرا من الخير والفائدة.
واذا كان الموت سنة الحياة، فان بعض الراحلين ينجحون في الانتصار الرمزي عليه، لأن ذكراهم تبقى حية في النفوس، ومصطفى عربة واحد من هؤلاء الذين لم يرحلوا تماما، اذ ما زالت صورته حاضرة في الذاكرة الجماعية، ومواقفه الطيبة والمشهود له بها تتردد في أحاديث معارفه، وسيرته الحسنة تعيش بين أفراد أسرته
وساكنة حيه وكل من خَبَرَهُ أو عرفه عن قرب. فرحم الله أخانا، صديقنا مصطفى عربة رحمة واسعة، وجعل ما قدمه من خير وعطاء في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح الجنان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وسلام على روحه الطيبة، يوم ولد، ويوم عاش بين الناس كريما، ويوم رحل تاركا وراءه ذكرا حسنا لا يزول.
طنجة في فاتح يونيو 2026
