اليوم العالمي للأسرة

اليوم العالمي للأسرة

حين يصبح البيت ذاكرة للحياة ( 2 )

ملاحظة مدخلية :
كل المحكيات التي سترد تباعا – في هذا الإطار – هي مستمدة من الواقع الذي عاشته الأسرة عندما كنا صغارا، اعتمدت في سردها على ما يحمله المخيال وتختزنه الذاكرة.

المحكية الأولى : سرقة التعب اليومي

تعود تلك الحادثة الى بداية ستينيات القرن الماضي، يوم كان المنزل رقم 10 بالزنقة 114 في عين الشق يحتضن أسرة والدي وأسرة عمي معا كان البيت متواضعا، لكنه عامرا بالحياة التشاركية، بالدفء العائلي الذي يجعل ضيق المكان أقل قسوة .كنا نتقاسم أشياء كثيرة من تفاصيل الحياة اليومية، وأحيانا نتشارك حتى الهموم الصغيرة التي كانت توزعها الحياة بيننا بالتساوي. فبقيت تلك الصور …اللحظات.. التقاسمات منقوشة في القلب بمداد الذكرى، لا تغادرها رغم تعاقب السنين. وبعد مضي ما يزيد عن ستين سنة أجدني الآن مسترجعا لها، دون أن أعي السبب الحقيقي الكامن وراء ذلك.
كنا يومها أسرة محدودة الدخل تتكون من الوالد والوالدة ونحن الأطفال. ولما حلَّت العطلة الصيفية، ارتأى الوالد أن نسافر الى البادية ( منطقة سيدي المختار ، ضواحي شيشاوة)، لصلة  الرحم وقضاء بعض الأيام بين الأهل والأحباب والابتعاد عن صخب المدينة. وهنا أشير الى أن الرحلات الى البادية بالنسبة للوالد، كانت نوعا من العودة الى الجذور الأولى، الى تلك الأرض الطيبة التي ظل قلبه متعلقا بها رغم سنوات الاستقرار في الدار البيضاء. لم يكن في رحلتنا هذه ما يوحي بأننا كنا نغادر -ولو مؤقتا – ذاك البيت المتواضع الذي احتضن طفولتنا الصغيرة، أو نهجر الزقاق الذي مارسنا فيه شغبنا … ألعابنا … تجمعاتنا … سمرنا مع الأقران . وقد حدث أن عدنا بعد انتهاء العطلة، دون أن يخطر ببال أي أحد منا أن شيئا ما قد تغيّر في غيابنا. فما أن فُتح الباب حتى كان الصمت في استقبالنا، وبدا المشهد أشبه بصفعة مباغتة. فالبيت شبه فارغ وكأني به جسدا منزوع الروح، لا أثر لحياة كانت هنا قبل أيام قليلة. تبعثرت بقايا الأشياء الصغيرة في زوايا الغرفة الكبيرة، وغدت شاهدا على كارثة صامتة. فلم تكن السرقة مجرد فقدان الأثاث أو المتاع البسيط، بل كانت اقتحاما قاسيا لذاكرة البيت نفسها. ولعل أكثر ما ظل عالقا بذاكرتي هو ذاك الصندوق الذي ضاع ضمن المسروقات، صندوق كان الوالد يحتفظ داخله بملابس و”كسوات العمل” – الكثيرة والمتنوعة تبعا لفصول السنة – التي كانت شركة البريد توزيعها على العمال. فكانت بالنسبة إليه ثمرة سنوات من التعب والالتزام والإخلاص المهني، وعلامة بسيطة على كرامة العامل البسيط الذي كان يعيش من جهده وعرقه كل يوم. وأنا الطفل الصغير آنذاك، أتذكر جيدا ملامح الوالد في تلك اللحظة. لم يصرخ … لم يثر ضجيجا …لم يبك … فبدا وكأنه ركب دوامة انكسار داخلي وصمت ثقيل، بعد أن أصابه خَرس مؤقت عجزت معه الكلمات عن احتمال ما وقع. فاكتفى معه بالنظر إلى البيت بعينين مذهولتين، محاولا أن يفهم كيف يمكن لمكان كان قبل أيام قليلة – مضت – مليئا بالحياة، أن يتحول الى فراغ موجع. فبدت الجدران يومها غريبة … باردة … خالية من الألفة. لأن “الصدمة كانت قوية” أكبر من أن توصف، وأعمق من مجرد سرقة مادية. وكان من بين الأشياء التي آلمت الوالد سرقة دراجته الهوائية الجديدة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد وسيلة نقل عادية، بل كانت جزءا من تفاصيل كفاحه اليومي. بها كان يتنقل الى عمله، وعليها يستند في قضاء مختلف حاجيات الأسرة، وسط مدينة كانت المسافات فيها طويلة، متعبة بالنسبة لعامل بسيط محدود الدخل. لقد كانت بالنسبة إليه متكئا صامتا وسندا أساسيا، تختصر عليه الطريق، تمنحه شيئا من الاستقلال والكرامة في مواجهة قسوة الحياة وشظف العيش اليومي. أتخيله يومها وهو ينظر الى الفراغ الذي تركته له الدراجة المسروقة، شاعرا بأن جزءا من نظام حياته اليومية قد اختل فجأة. فالرجل الذي كان يبني تفاصيل عيشه البسيط بصبر وتحمل شديدين، وجد نفسه فجأة محروما من الوسيلة التي كانت تساعده على مقاومة تعب الأيام. فتكون لديه إحساس داخلي بأن الأمان نفسه قد سُرق، وأن البيت الذي كان ملاذا للعائلة أصبح فجأة هشا أمام قسوة الحدث. لأن السرقة لم تكن مجرد فقدان لأثاث أو متاع بسيط جُمع بشقاء السنين، بل كان طعنة في الثقة وفي معنى القرابة نفسها، فالفاعل – ويا لقسوة المفارقة – وهو الملقب ب “الطير الحر“، كان من أبناء أحد الأقارب. ربما كان الألم الحقيقي للوالد أنه لم يُسرق من غريب، بل من شخص نعرف ضحكه…كلامه…
تصنعه … وهو يعرف بيتنا حق المعرفة، يعبر فضاءه البسيط بوجه مطمئن، ويعرف تعب أصحابه، ويعي جيدا -أن كان له نصيبا من الوعي- أن الأثاث لم يكن ترفا بل خلاصة كدح يومي مستدام. غير أنه خان عيوننا قبل أن تخون يده الحقيقة، الأمر الذي سيعلمنا مع الزمن أن الطيبة ليست ضعفا، ولا جبنا .. لكنها قد تتحول جرحا، ألما فضيعا. ومما زاد المشهد مرارة أن السارق كان يخرج من البيت ويعود إليه على مرأى من جميع الجيران الذين وقفوا متفرجين في صمت، معتقدين أننا نحن من وكلناه أمر البقاء في البيت لحراسته في غياب أسرتنا. فلم يشك أي أحد أو يسأل، وكأن الكارثة أحيانا لا تحتاج الى ظلام وسكون الليل، بل يكفيها سوء الظن وغياب الانتباه.
وها أنا اليوم بعد أن مرت عقود طويلة على تلك الواقعة، لا زلت أتخيل بعض صور المأساة حاضرة دون أن يبهت لونها أبدا: صورة البيت الفارغ … صوت الصمت الثقيل الذي خيم على الوالد … نظرات الحيرة التي كانت تتنقل بين الجدران العارية … غياب الدراجة الهوائية…العبث بالأثاث.. فبدا كل ذلك رمزا قاسٍ للهشاشة الإنسانية. حين يمكن للحياة أن تنقلب بسرعة البرق في لحظة واحدة، وأن يتحول بيت مليء بالحياة الى فراغ موجع لا يسكنه سوى الصمت.. الأسى .. الذهول … ومع كل ذلك لم يقدم الوالد شكاية أو يطلب انتقاما، فاكتفى بالصمت والصبر والتَحَمُل. وربما لهذا ظل مشهد البيت المسروق أكثر قسوة في ذاكرته، لأنه لم يفقد أثاثا ومتاعا فقط بل فقد أشياء التصقت بتفاصيل حياته اليومية، وبمعنى الكدح الصامت الذي عاشه أبي – رحمة الله عليه – من أجل أسرته. بقي الوجع عنده وجع بيت ولد صغيرا ثم تهشم داخله معنى الايمان. وظل كل ذلك يستوطن كيانه الى أن رحل لملاقاة ربه وفي قلبه شيء أو أشياء من حتى.

 المختار عنقا الادريسي 

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *