من واقع اليمن السعيد..

من واقع اليمن السعيد..

(المدرهة) .. طقوس توديع واستقبال الحجاج في صنعاء القديمة 

(يا مدرَهة يا مدرَهة
من ركبش عشية
من ركبش على القمر
والشمعة المضيّة)

      محمد المخلافي

هكذا كان أهل صنعاء القديمة يودعون الحجاج قبل سفرهم إلى مكة بهذه الأهازيج. ومع اقتراب موسم الحج، كانت الحارات القديمة تبدأ بالاستعداد لهذه المناسبة، فيجتمع الأقارب والجيران حول الحاج قبل سفره.

وكان الحاج يزور بيوت أقاربه وجيرانه ليودعهم، ثم يذهب إلى مسجد الحارة لطلب الدعاء؛ هناك يجتمع الناس حوله، يصافحونه ويدعون له بالسلامة والقبول.

ويقول أحد سكان صنعاء القديمة، عبدالله القاضي ، إن من أبرز العادات المرتبطة بالحج في صنعاء (المدرَهة)، وهي أرجوحة خشبية تُنصب في فناء البيت الكبير أو في ساحة الحارة.

وكانت المدرهة تُكسى بملابس الحاج نفسه؛ فإذا كان رجلا تُعلق عليها ملابسه التقليدية مثل الثوب، والصماطة، والجنبية، واليلق الزعل، وإذا كانت امرأة تُعلّق عليها ملابس خاصة ومناسبة وتزين المدرهة بالأجراس الحديدية التي تصدر أصواتاً خفيفة أثناء تحركها.

كما كانت النساء يزين حبال المدرهة بـ(المشاقر)، مثل الشذاب والريحان، وهي نباتات محلية تفوح روائحها العطرة في أزقة الحارات.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن عادة المدرهة حاضرة في اليمن منذ أكثر من 1200 عام، وأصبحت مع مرور الوقت جزءاً من التراث الشعبي المرتبط بالحج.

وعند تركيب المدرهة، كانت النساء والأطفال يرددون:

(يا المدرَهة يا المدرَهة
ما لصوتِش واهي؟
قالت أنا واهية وما حدّ كساني
كسوتي رطلين حديد
والخشب رُماني)

وكان الناس يحرصون على تثبيت المدرهة بشكل جيد؛ لأن سقوطها أو اختلال توازنها كان يُعتبر علامة غير محببة، وقد يفسره البعض بأنه نذير سوء للحاج أو رحلته.

ومع مرور الوقت وتغير شكل الحياة في المدن القديمة، قلّ وجود المدرهة بسبب ضيق المساحات واختفاء كثير من الباحات الواسعة، لكن عادة توديع الحجاج ما تزال موجودة في صنعاء وبعض المناطق اليمنية حتى اليوم.

وترتبط المدرهة بزمن قديم كانت فيه رحلة الحج طويلة ومتعبة، فقد كان الحجاج يسافرون على ظهور الجمال والبغال، وكانت الرحلة تستغرق أحياناً ثلاثة أو أربعة أشهر.

وفي ذلك الوقت لم تكن هناك وسائل اتصال بين الحاج وأهله، لذلك كان الناس يعيشون فترة طويلة من القلق والانتظار حتى يعود الحاج سالماً؛ ولهذا أصبحت المدرهة وسيلة يعبر بها الناس عن شوقهم ودعواتهم للحاج أثناء غيابه.

ومن الأهازيج التي تصف لحظة الوداع:

(لو تبصروا يا حاضرين
حين قال مع السلامة
لا.. والمسبّح قام صاح
وشل بالجلالة
صرّ المكان من وحشته
ودمّعوا جهاله)

وهذه الكلمات تصف حالة الحزن التي يعيشها أهل الحاج بعد سفره، خصوصاً الأطفال وأفراد الأسرة.

وخلال فترة غياب الحجاج، كان الرجال والنساء والأطفال يجتمعون حول المدرهة ويرددون الأهازيج الشعبية، ومن أشهرها:

(يا حمامة عرفة
حومي وحومي
واحذرِش تنومي
واعرِفي وين حجّنا)

وفي هذه الأهزوجة يطلب الأهالي من الحمامة، على سبيل الرمز، أن تراقب الحاج وتحرسه. كما كانوا يرددون:

(يا حجّنا قوم اقطِب الشدادي
وقل لمكة خاطرِش
شاسير لي بلادي)

وعند عودة الحجاج إلى صنعاء القديمة، كانت الحارات تمتلئ بالناس لاستقبالهم، وكان الرجال والأطفال يخرجون للاحتفاء بهم عند (باب اليمن) ومداخل المدينة وفي الحارات. كما تتردد عبارات التهنئة في كل مكان، مثل: (حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور، وتجارة لن تبور)، و(تقبل الله طاعتكم)، و(الحمد لله على السلامة)، و(نوّرتوا صنعاء).

وتُردد أيضاً أهازيج خاصة بالعودة، منها:

(يا مُبشّر بالحج بشارتك بشارة
هنيت لك يا حاجنا
فزت بالغفرانِ
زرت قبر المصطفى
وتلمّس الأركانِ)

وكانت الاحتفالات تستمر عدة أيام، حيث تُقام الولائم المعروفة باسم (النقيعة)، ويجتمع الأقارب والجيران للسلام على الحاج والاستماع إلى حكايات الرحلة. ومن العادات القديمة أيضاً أن يقوم الأهالي بطلاء واجهات منازل الحجاج بـ”النورة” البيضاء تعبيراً عن الفرح بعودتهم.

ورغم أن كثيراً من هذه العادات بدأت تتوارى مع مرور الوقت، فإن المدرهة ما تزال حية في ذاكرة وقلوب الناس، باعتبارها واحدة من أبهى العادات التراثية المرتبطة بالحج في صنعاء.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *