حول رواية “تقرير إلى الهدهد” لشعيب حليفي

حول رواية “تقرير إلى الهدهد” لشعيب حليفي

الرواية وأسئلة المجتمع المغربي

متابعة :سعيد البوبكري

في إطار تناولها للقضايا الثقافية والفكرية والإبداعية، نظمت أكاديمية المهدي بن بركة للأبحاث والدراسات الاجتماعية والثقافية العمالية ندوة فكرية صباح يومه السبت 13 يونيو 2026، خصصت لمناقشة رواية “تقرير إلى الهدهدللروائي شعيب حليفي، وذلك بالمقر المركزي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في لقاء جمع بين الأدب والتاريخ والذاكرة، وبين أسئلة الإبداع ورهانات المعرفة.

أدار أشغال الندوة  أمين الكوهن، فيما شارك في تأطيرها كل من سعيد منتسب وتوفيق الدرازي، بحضور نوعي ضم مهتمين بالشأن الثقافي والأدبي والفكري.

افتتحت الندوة بكلمة ترحيبية لعثمان باقة باسم أكاديمية المهدي بن بركة للتكوين النقابي، رحب فيها بالحضور وبالروائي شعيب حليفي، مؤكدا أهمية الانفتاح على الإبداع باعتباره مجالا حيويا لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية، وفضاء لإعادة مساءلة الذاكرة الجماعية والتاريخ الوطني.

تدخل سعيد منتسب بورقة نقدية استهلها بالتنويه بالمشروع الفكري والروائي الذي راكمه شعيب حليفي عبر مساره الإبداعي، معتبرا أن أعماله لا يمكن فصلها عن انشغالاته الفكرية والاجتماعية والإنسانية. وأكد أن رواية “تقرير إلى الهدهد” عصية على التصنيف داخل بعد دلالي واحد، لأنها ليست رواية صافية بالمعنى التقليدي، بل نص مركب تتداخل فيه مستويات متعددة من الكتابة والتفكير.

وأوضح المتدخل أن الرواية تنسج شبكة معقدة من الأسئلة حول العلاقة بين السرد والتاريخ والذاكرة، مستحضرة أحداثا مفصلية من تاريخ المغرب، من بينها أحداث مولاي بوعزة وغيرها من الوقائع التي ما تزال تثير أسئلة الذاكرة الوطنية. وقد توقف الأديب سعيد منتسب أيضا عند ما سماه مستويات القراءة الممكنة للرواية، حيث أبرز أولا حضور ما يمكن تسميته بـ”حمّى الأرشيف”، ذلك أن الرواية تنطلق من البحث عن أثر ضائع وعن ذاكرة مفقودة، في ظل قناعة مفادها أن المختفين لا يتركون دائما أثرا، وأن الشهداء أنفسهم قد يغيبون عن السرديات الرسمية. ومن ثم يتحول مشروع السارد إلى محاولة لالتقاط أرشيف متوارٍ يستعصي على الامتلاك النهائي، مما يجعل الرواية لا تقدم يقينا جاهزا بقدر ما تفتح أسئلة جديدة حول ما يمكن معرفته وما يستعصي على المعرفة. بالإضافة إلى ذلك تناول المتدخل مستوى التخييل التاريخي، موضحا أن الرواية تبحث عن حقائق لا يعثر عليها القارئ داخل الأرشيف الرسمي، فتغدو الكتابة الروائية شكلا آخر من أشكال مساءلة الحقيقة التاريخية، وتصبح الرواية تاريخا، من نوع مختلف، قادرا على كشف مناطق الصمت والفراغ داخل السرد التاريخي التقليدي. كما تطرق كذلك إلى حضور التصوف باعتباره أفقا معرفيا موازيا للمعرفة العلمية، وهو ما يفسر كثافة الحلم والرؤيا والإشارات الرمزية داخل العمل، مثلما  أبرز حضور الميتاسرد والتأمل في فعل الكتابة نفسه، حيث تدفع الرواية قارئها إلى مساءلة الحدود الفاصلة بين المرجعي الواقعي والتخييل السردي.

وفي سياق آخر، توقف عند البعد الترافعي في الرواية، معتبرا أنها تدافع عن فكرة جوهرية مفادها أن الحقيقة لا تتخذ شكلا واحدا، وإنما تتشكل عبر تراكم الشهادات والقراءات والذاكرات، وأن مقاومة الصمت هي السبيل الوحيد لإنصاف الضحايا وإنقاذهم من النسيان. كما عالج دلالة الهدهد باعتباره رمزا مركزيا داخل العمل، إضافة إلى مفهوم الحقيقة الذي يشكل أحد محاوره الفكرية الأساسية.

المداخلة الثانية  قدمها توفيق الدرازي الذي انطلق من تحليل العتبات النصية للرواية، وفي مقدمتها العنوان، وقد سعى المتدخل إلى استجلاء الدلالات اللغوية والرمزية لعبارة “تقرير إلى الهدهد”، معتبرا أن الرواية تقوم أساسا على تقصي آثار المختفين والمغيّبين عن التاريخ الرسمي. وأوضح أن الهدهد يحضر بوصفه رمزا ثقافيا ودينيا عميق الجذور في المخيال الإسلامي، باعتباره شاهدا وناقلا للأخبار وكائنا يمتلك قدرة خاصة على الكشف والاهتداء،. ومن هذا المنطلق يغدو الهدهد استعارة للذاكرة الجماعية القادرة على استعادة ما تعرض للتهميش والنسيان. وتوقف الباحث توفيق الدرازي عند تمثلات التاريخ داخل الرواية، مبينا أنها تعتمد على تتبع الشذرات المتبقية من الماضي وإعادة تركيبها، حيث تتجاور الوثيقة المكتوبة مع الذاكرة الشفهية، وتتقاطع الشخصيات المرجعية مع الشخصيات المتخيلة في بناء سردي غني ومتعدد الأصوات. وإلى جانب ذلك أبرز ارتباط الرواية بمدرسة الذهنيات التاريخية التابعة لمدرسة الحوليات، خاصة من خلال استحضار أماكن محملة بالذاكرة الجماعية، مثل مولاي بوعزة، وما يرتبط بها من أحداث وتجارب إنسانية ظلت راسخة في الوجدان الشعبي. وأكد أن الرواية لا تكتفي باستحضار الماضي، ولكنها تسائل الكيفية التي تُبنى بها الذاكرة التاريخية نفسها، باعتبارها نتاجا للتأويل وإعادة البناء المستمرين.

وأشار الباحث الدرازي  إلى أن الرواية تنجح في الربط بين الماضي والحاضر عبر شخصيات وممارسات اجتماعية وثقافية تستعيد التراث الشعبي والمواسم والطقوس الجماعية، وهو ما يجعلها وثيقة موازية ومكملة للمعرفة التاريخية، كما أبرز أن الرواية تقدم ثورة مولاي بوعزة في بعدها الإنساني والأخلاقي أكثر من بعدها السياسي والعسكري، وتمنح مكانة خاصة للتجارب النسائية التي ظلت مهمشة في كثير من الكتابات التاريخية.

وعقب المداخلتين، فتح باب النقاش أمام الحضور، الذي تفاعل بكثافة مع القضايا التي أثارتها الرواية، خصوصا ما يتعلق بالعلاقة بين الرواية والتاريخ، وحدود التخييل التاريخي، وإمكان اعتبار الرواية وثيقة موازية أو مكملة للمعرفة التاريخية. وقد تميز النقاش بمستوى عال من الوعي النقدي والمعرفي، حيث تعددت وجهات النظر وتقاطعت الأسئلة حول الذاكرة والهوية والحقيقة وأدوار المثقف في المجتمع.

وفي كلمته الختامية، فتح الروائي شعيب حليفي أفقا جديدا للنقاش من خلال مساءلة غياب عدد من الشخصيات والأحداث التاريخية المغربية عن الكتابة الروائية، متسائلا عن أسباب إحجام المثقف المغربي عن تناول شخصيات وازنة من قبيل محمد بن عبد الكريم الخطابي والمهدي بن بركة وغيرهما من الشخصيات التي تركت أثرا عميقا في التاريخ الوطني. حيث أكد أن وظيفة الكاتب ليست إعادة إنتاج المألوف أو كتابة تقارير مباشرة عن الوقائع، بل إعادة اكتشاف المناطق المنسية والمسكوت عنها، وتحويلها إلى مادة للإبداع والتفكير. وأضاف أن المغرب يزخر برصيد تاريخي وإنساني هائل ما يزال في حاجة إلى من ينقبه ويعيد صياغته أدبيا، متسائلا: من سيكتب عن هذه الأحداث إذا لم يكتب عنها المثقف المؤمن بما يكتب؟

كما  توقف أيضا  عند شخصية أبي يعزى بوصفها شخصية روحية وثورية ملهمة، معتبرا أن استعادة مثل هذه الشخصيات هو في جوهره استعادة لذاكرة جماعية تحتاج إلى من ينصت إليها ويعيد إحياءها في الحاضر. واختتم الروائي اللقاء بقراءة مقطع من رواية “تقرير إلى الهدهد”، قبل أن يوقع نسخا من العمل للحاضرين في أجواء ثقافية وأخوية مفعمة بالحوار والتقدير، حيث امتزج دفء اللقاء بشاعرية المكان ورمزية الفضاء النقابي الذي احتضن هذه اللحظة الثقافية المتميزة. وبذلك تكون  هذه الندوة قد شكلت مناسبة فكرية وثقافية بامتياز، أكدت من جديد قدرة الأدب على مساءلة التاريخ وكشف المسكوت عنه، وعلى إعادة الاعتبار للذاكرة الجماعية باعتبارها أحد المداخل الأساسية لفهم الذات والمجتمع. كما كرست أهمية الحوار بين الإبداع والمعرفة التاريخية، وبين الكاتب والقارئ، في أفق بناء وعي نقدي أكثر قدرة على فهم الماضي واستشراف المستقبل. ومن بين توصيات هذه الندوة، أن اللقاء القادم سيكون مع الكاتب الروائي والمسرحي يوسف فاضل ، وأعماله الأخيرة التي بصمت السرد المغربي بعلامات دالة وتستحق التوقف عندها.

نادي القلم المغربي – الدار البيضاء
penmaroc@gmail.com

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *