هوامش في الأدب
عبد الله العروي وحداثة الرواية

1/ بدأت الحكاية وكتابي الرابع ” عبد الله العروي وحداثة الرواية “. بالتحديد، أواخر سنة 1993. لم أكن أعتقد بأن هذا المؤلف سيعبر الرحلة الأطول _ إذا حق _ من سوريا، وبالضبط من المدينة الشاطئية “اللاذقية”، عودة للدارالبيضاء، لتختتم فصول الرحلة الحكاية في لبنان “بيروت“.
لكن قبل سرد تفاصيل الحكاية، ما الفكرة التي شكلت نواة التأليف؟
2/ حدث في 1973 أن زرت مدينة الجديدة في عز مجدها الذهبي. كان من مألوف عاداتي التردد على المكتبة الوحيدة _ إذا جاز_ مكتبة “الأمل” (لم تعد موجودة) لصاحبها السيد عبد العزيز الذي قل أن ابتسم، وندر أن فارق مقعده داخل المكتبة. أما وأنا ألقي نظرة على الواجهة الزجاجية للمكتبة فاستوقفتني رواية “الغربة” (طبعة دار النشر المغربية/1971)، فلم أتردد في شرائها (6 دراهم). وبمجرد العودة إلى البيت حيث مسقط الرأس أزمور، أقدمت على القراءة من الفصل الموسوم ب:
“الفقيه يترنم” إلى “الفقيه يرتل“، لأجدني أرتب تمرينا في الكتابة النقدية سرعان ما توسع ليشمل الروايات: “اليتيم” (1978)، “الفريق”(1986) و”أوراق” (1989). من ثم كان كتاب “عبد الله العروي وحداثة الرواية “، أول كتاب تنبني فيه الرؤية النقدية على الشمولية، من منطلق كون الروايات السالفة تنتظم في وحدة يتوازى فيها الروائي بالسيرة ذاتي، حيث يصعب استصدار أحكام نقدية نهائية بخصوص الرواية الأولى أو الثانية، دون إيلاء الاهتمام للثالثة والرابعة، وهو المطب الذي سقط فيه العديد من النقاد ودارسي الرواية المغربية الحديثة، علما بأن الروائي الأستاذ عبد الله العروي سيضيف في نقلة لافتة نصين روائيين: “غيلة” (1998) و” الآفة” (2006)، ففي “غيلة” نزع إلى توظيف شكل كتابة الرواية البوليسية، بينما في “الآفة” عمد إلى تجريب صيغة رواية الخيال العلمي. ولعل مما تجدر الإشارة له/إليه كون نص “غيلة” و”الآفة” لم يحظيا بالتلقي النقدي المطلوب على العكس من الرباعية. وكان الروائي العروي أشار في الجزء الرابع من “يوميات خواطر الصباح” إلى أن الهدف من المنجز الروائي كتابة الرواية بسبعة ألوان.
والواقع أن التجربة الإبداعية برمتها أفردت لها كتابا وسم ب”عبد الله العروي بين التمثل الذاتي وصورة العالم” (دار الآن ناشرون وموزعون/ 2021).
3/ أنهيت _ كما سلف _ كتاب ” عبد الله العروي وحداثة الرواية ” في 1993، حيث بدأ التفكير في عملية نشره. اعتقدت حينها بأن الكتاب ومادام ألف عن الروائي الأستاذ عبد الله العروي، فإنه لا محالة سيجد طريقه للنشر عند أول عرض على دار نشر ما. إلا أن تداول صورة المفكر، حال دون ترسيخ القناعة بمنجز روائي حديث يمتلك خصوصياته مادة وصيغة ومرجعية. وأذكر بأن الروائي الراحل محمد زفزاف في حوار لمجلة “الحوادث” اللبنانية” التي أشرف على إصدارها الصحافي اللبناني الراحل “سليم اللوزي” قال بالحرف:
” إن عبد الله العروي لولا كتابه “الإيديولوجية العربية المعاصرة“ لما عرفه أحد (صدرت ترجمته الأولى عن “دار الحقيقة/ بيروت/ ترجمة: محمد عيتاني/1970) وقدم لها الأستاذ عبد الله العروي، مثلما حافظ على كلمة “مكسيم رودنسون“. (أجرى الحوار الصحافي: جهاد فاضل). وبذلك نوجز الرحلة الحكاية في ثلاث تجارب:
أ/ التجربة السورية: لا أذكر ما إذا كانت دورة معرض الكتاب الثانية أو الثالثة، زمن الدار البيضاء المأسوف عليه. حضرت “دار الحوار” التي أسسها الناقد والروائي نبيل سليمان ممثلة من طرف السيدة زوجته. ومن منطلق العلاقة التي ربطتني به فكرت في تقديم مخطوطة ” عبد الله العروي وحداثة الرواية ” للدار بغاية نشرها، لولا أن السيد نبيل لم يرد لا يالإيجاب أو السلب، فكاتبته بعد شهرين مطالبا إلغاء عملية النشر بمبرر كوني عثرت على ناشر أبدى استعداده لنشر الكتاب.
ب/ التجربة المغربية: أقدمت في الفصل الثاني من الحكاية على إرسال المخطوطة لدار “توبقال” في عز مجدها. إلا أني لم أتوصل برد يفيد _ على الأقل _ التوصل (الغريب أن المؤسسات العربية لا تعبأ بمن يكاتبها). ولعل من حسن الصدف أن التقيت الشاعر الأستاذ محمد بنيس في جلسة قراءة شعرية أستضيف فيها الراحلان: الشاعر المصري محمد عفيفي مطر والأردني أمجد ناصر. إذ وبمجرد نهاية جلسة القراءة، تقدمت بالسؤال لمحمد بنيس عن مصير المخطوطة فقدم تعليلات غير مقنعة طالبته في إثرها بإعادة مخطوطة الكتاب على بريدي العادي، وهو ما كان.
ت / التجربة اللبنانية: لم أعد أذكر اسم الجليس الذي قاسمني “حديث الأربعاء” المعتاد في مقهى “الإكسيلسيور” الذي غدا أثرا بعد عين، وكان من معالم الدار البيضاء البارزة. فبعد أن حكيت له حكاية كتابي الرابع، قدم لي مشكورا مفتاحا أضاء طريق النشر. طلب مني بعث المخطوطة للروائي الأستاذ عبد الله العروي على بريده في جامعة محمد الخامس، وهو ما أقدمت عليه. إلا أني لم أتوصل من الأستاذ برد مباشر يفيد التوصل. لكن، وبصيغة غير مباشرة، كنت أواظب على زيارة مكتبات درب الأحباس كل مساء من مساءات السبت ولأزيد من أربعين سنة. وفي إحدى هذه المساءات، أخبرني السيد المدير العام للمركز الثقافي العربي بسام كردي بأن الأستاذ وضع مخطوطة الكتاب رهن إشارة المركز، وكان أن نشر الكتاب بعد شهرين بدعم من وزارة الثقافة المغربية في الفترة التي تحمل فيها المسؤولية الشاعر والروائي محمد الأشعري، بينما أشرف القاص الراحل مصطفى المسناوي على إدارة عملية الدعم.
وحتى أختم هذه الحكاية، أشير إلى أن أول توقيع للكتاب كان بمسقط الرأس أزمور، حيث وقعت في ليلة واحدة (120) نسخة.
