تأملات في الفن التشكيلي

تأملات في الفن التشكيلي

براءة تغتسل بالدم: عبد الإله الشاهدي أنموذجا

   منير لكماني

ليس كل هدوء سلاما، فقد يكون الهدوء آخر ما تبقى للروح حين يكثر حولها الصخب. وليس كل نزيف هزيمة، فقد يكون الدم شاهدا على أن الكائن لم يفقد بعد قدرته على الإحساس.

وجه يخرج من العتمة كأنه سر انكشف بعضه وبقي أكثره محجوبا. لا يصرخ، ولا يطلب عطفا، ولا يخاصم العالم. ينظر فقط؛ وفي النظر أحيانا ما يعجز عنه الكلام. فالعيون إذا امتلأت بما لا يقال، صارت أبلغ من اللسان، وأشد وقعا من الشكوى.

ينحدر الدم من أعلى الملامح، كأنه خط أحمر كتبه الوجع على صفحة بيضاء. ليس الدم هنا زينة للفاجعة، ولا مبالغة في الألم، بل علامة على أن الطهر حين يمر في أرض البشر لا يبقى خارج المحنة. ومن ظن أن النقاء أن لا تمسه الجراح، لم يعرف حقيقة النقاء. النقاء أن تمضي في الوجع ولا تصير قاسيا، وأن ينالك الأذى ولا تنقلب على ما بقي فيك من رحمة.

تستقر الحمامة في اليد، صغيرة، بيضاء، وقلقة. ليست طائرا فحسب، بل أمانة. كأن السلام لم يعد يحلق في السماء، بل صار يحتاج إلى كف تحميه من السقوط. ومن حمل السلام في زمن الدم، فقد حمل أثقل من الحديد، وإن بدا ما بين يديه خفيفا. فالحمامة لا تزن بريشها، بل بما ترمز إليه. وكل رمز للبراءة يصبح ثقيلا حين يحاصر بالعنف.

وفي اليد الأخرى منديل أبيض، لكنه ليس بياضا مطمئنا. إنه بياض عرف الدم، ففقد براءته الأولى واكتسب براءة أعمق. فالرحمة التي لا تقترب من الجرح تبقى فكرة باردة، أما الرحمة التي تمد يدها نحو الألم، فإنها تخرج وعليها أثر منه. هكذا يعلمنا الوجع أن الطهر ليس ابتعادا عن الأذى ، بل قدرة على ملامسته دون أن تتلوث الروح بالكراهية.

السواد المحيط ليس فراغا، بل حجاب كثيف. ومن عادة الحجب أنها لا تخفي فقط، بل تكشف أيضا. فالوجه لا يظهر قويا إلا لأن العتمة حوله شديدة، والبياض لا يلمع إلا لأن الدم يجاوره، ولا تستبين الحمامة في السعة، بل عند ضيق الحافة؛ فالأمان لا يعرف قدره إلا على تخوم الخوف. إن الأشياء لا تفصح عن أسرارها في السهولة، بل عند حواف التوتر، حين يلتقي الضد بضده، ويتولد المعنى من الجرح.

هنا يلتقي الجمال بالوجع، لا ليلغيه، بل ليمنحه عمقا. فالجمال الذي لا يعرف الألم يبقى قريبا من السطح، أما الجمال الخارج من المحنة فيصير بصيرة. لذلك لا تبدو الملامح مكسورة تماما، بل مشدودة إلى شيء أبعد من الخوف. كأنها تقول: قد يملك الدم وجهي، لكنه لا يملك سري. وقد يبلغ الأذى جلدي، لكنه لا يبلغ آخر ما في قلبي.

ليست الأنثى هنا موضوعا للنظر، بل شاهدة على امتحان الإنسان حين يوضع بين القسوة والرحمة. حضورها لا يستجدي، ولا يتزين بالحزن، ولا يبالغ في الانكسار. إنها واقفة في منطقة دقيقة بين الفقد والنجاة. ومن وقف في تلك المنطقة عرف أن الحياة لا تمنح صفاءها مجانا، وأن القلب لا يعرف معدنه حتى تمسه النار.

الحمامة لا تطير، لكنها لم تمت. والوجه ينزف، لكنه لم يفقد سكينته. والمنديل تلطخ، لكنه لم يسقط من اليد. وفي هذا كله حكمة خفية: ليس المطلوب من الإنسان أن يخرج من المحنة كما دخلها، بل أن لا يخرج منها أقل إنسانية. فهناك جراح تجعل أصحابها حجارة، وجراح تجعلهم أوسع رحمة. والفرق بينهما سر لا يراه إلا من عرف أن الألم لا يصنع المعنى وحده، بل تكشفه الطريقة التي نحمله بها.

لا ينبغي أن نمجد الجرح، فالجرح ليس مقاما يطلب لذاته. غير أن بعض الجراح يفضح ما كان مختبئا في الأعماق: يفضح هشاشة الجمال، وقسوة العالم، وقدرة القلب على ألا يستسلم للسواد. فإذا بقيت الحمامة في اليد رغم الدم، فذلك ليس تفصيلا عابرا، بل إعلان صامت بأن البراءة قد تجرح، لكنها لا تهزم ما دام هناك من يحرسها.

كأن النداء الباطن يقول: لا تنظر إلى الدم وحده فتيأس، ولا إلى البياض وحده فتغتر. انظر إلى اجتماعهما، فهناك يولد المعنى. فالإنسان ليس طهرا خالصا ولا جرحا خالصا، بل هو طريق بينهما. وكلما اشتد الظلام حوله، ظهر ما كان مخبوءا في قلبه: إما أن يسلم حمامته للخوف، وإما أن يحملها أكثر، كأنها آخر عهد له بما يجب أن يبقى حيا.

وهكذا لا يكون المشهد رثاء للجمال المجروح فحسب، بل اختبارا للروح حين تتعرى من أوهام السلام السهل. فمن عرف قسوة العالم ولم يفقد رحمته، فقد نجا بمعنى من المعاني. ومن بقي قادرا على حماية حمامة والدم على وجهه، فقد انتصر انتصارا لا تراه العيون العجلى، لكنه أثبت من كل صخب.

10/06/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *