مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 3

مذكرات أستاذة مغربية في سلطنة عمان 3

حين تختبر الكرامة

الحلم والانكسار 3

ذ.ثريا الطاهري الورطاسي

كلام للربط :
لم تتوقف الأسئلة عند حدود الأقسام المسند الي تدريسها بثانوية محمد الخامس، ولم تنته آثار التجربة عند عتبة إدارتها. بل امتدت تبعاتها الى حدود الكثير من المديريات المركزية التي تناوبت على معالجة مشكلة الالتحاق بالسلطنة بكل تبعاتها القانونية/ الادارية / المادية، الأمر الذي حرمني من الترقية التربوية المعمول بها – آنذاك – . فكان ما حدث هناك يمتد في صمت  يلاحقني،  يتسرب الى تفاصيل يومية لا يُنتبه اليها بسهولة، ويعيد تشكيل العلاقة بالأشياء وبالذات، أمام فرحة العودة الى أحضان الأسرة خاصة والوطن عامة.
وحين خفّت ضوضاء الخارج، وبدأ صوت الدواخل يعلو تدريجيا، معلنا أن ما جرى لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل صار تحولا عميقا يحتاج أن يفهم،  أن تُسْتَخْلص منه الدروس.. أن لا يُنسى. من هنا بالضبط بدأت أكتشف أن بعض المهمات لا تنتهي بالتخلي عنها، وبعض الرحلات لا تختفي آثارها بالعودة. بل تبدأ بعد ذلك في التبلور والجلاء، ومن هنا يأتي المقطع الثالث.

أصداء التجربة …. ما تبقى في القلب

لم أكن أحتاج الى كثير من الوقت لأدرك أنني عدت بجسد استقر في مكانه، وقلب طافح بمحبة وطني، وروح ما تزال باحثة عن عودة متكاملة. في شقتي الصغيرة – رغم غيابي سنة كاملة عنها – لازال كل شيء كما تركته: الفراش … المطبخ … الأثاث … المكتبة … الصور … كل تفاصيل الحياة اليومية المألوفة … زياراتي المسائية لمدينة” مليلية” السليبة ، والتمتع بحدائقها الغَنَّاء … لكنني في عمقي ،لم أعد كما كنت .
في الصباحات الأولى – للاستقرار من جديد بالناظور – كنت أتحرك بإيقاع هادئ، كأنني أتعلم من جديد كيف أعيش يوما عاديا. أُعِدّ قهوتي المعشوقة، أرتب الأشياء، أجهز محفظتي، أقصد  الثانوية لملاقاة تلامذتي، لكن شيئا داخليا كان غائبا عني … أو ربما كان في طور التشكل.

حدث ذات يوم أن سألتني أختي:

– أراك صرت ميالة الى الصمت واختيار السكوت … ماذا بك ثريا ؟

ابتسمت قائلة :-  لاشيء… فقط أرتب بعض الأمور في دواخلي.

رغم أنه جواب غير واضح ، إلا أنه كان منطقيا وصادقا إلى أبعد الحدود . في لحظات الانفراد تلك …كنت أستعيد شريط الذكريات بدون أي استئذان : حجرة الدرس البدائية بمنطقة السويح ، صوت البحر الذي يجود بكرمه السخي على الساكنة، براءة وبساطة المتعلمات ونظراتهن البريئة، عجرفة وأنانية المسؤولات الإداريات هناك، احساسي الغامض بأني كنت في مكان لا يشبهني … لكنه كشفني. كنت أستعيد كل التفاصيل، لا لأتذكر فقط، بل أحاول أن أفهم.

ذات مساء،  بعد عودتي من مدينة مليلية، جلست قرب نافذتي، أستمتع بالصمت .. السكينة .. الهدوء .. وأنا أتأمل غروب الشمس وضوء المساء الذي يتسلل كما لو أنه لا يريد أن يزعج أفكاري، تساءلت في سري:

هل كنت أبحث عن تجربة ما … أم كنت باحثة عن نفسي ؟  لأجدني غارقة في دوامة الصمت، فاقدة لأي جواب. ومع ذلك شعرت أن ذاك السؤال – في حد ذاته – كان بداية مسلك جديد أمامي.
في محيطي العائلي، كان الجميع يتعامل مع عودتي باعتبارها حدثا عاديا انتهت تجربته، وعدت الى عملي .. وانتهى الأمر.

كنت أعرف أن الأمر أعمق بكثير من كل ذلك، لأن ما عشته لم يكن قابلا للاختزال في جملة واحدة، ولا في تفسير بسيط . كان شيئا يشبه التحول الصامت، الذي لا يُرى … ولكنه يُحَسُّ في كل ما حولي.

وذات يوم، بينما كنت أرتشف قهوة الصباح في إحدى مقاهي مدينة مليلية وجدتني أفتح مذكراتي القديمة، وأبدأ في استعراض لبعض خواطري:

ليس كل ما تتركينه خلفك ثريا، هو تارك لك .. فبعضه يرافقك وسيبقى كذلك، ليعيد تشكيلك من الداخل .. شئت أم أبيت

توقفت بعدما صفعني نسيم ذاك الصباح، قرأت ما خطته يدي، شعرت أني لا أتحدث عن تجربتي… بل عن شخصي بكل ما أنا فيه وعليه.

في بداية الأسبوع الموالي، بدأ ذاك التعثر يظهر دون أن أخطط له، صرت أكثر انصاتا لتلامذتي، أكثر انتباها لصمتهم، ولِمَا يضمرونه خلف كلماتهم … أسئلتهم … تطلعاتهم. وفي نهاية احدى الحصص المسائية، سألتهم :

من منكن / منكم شَعَرَ يوما أنه في غير موضعه ؟.

ساد صمت قصير، فقالت تلميذة بصوت خافت:

– مرات عديدة يا أستاذة.

نظرت اليها وقلت بهدوء :

انه احساس صعب … ولكنه مفيد لنا لأنه يُسعفنا في معرفة ماهيتنا وذواتنا، بدون أي استناد للأخرين.

من هنا ابتدأت مسيرتي الجديدة مع التلاميذ، حيث صرنا نتقاسم أجزاء مشتركة بيننا وعنا…

من خلال تلامذتي بدأت أتصالح مع ما كنت قد عشته بعيدا عنهم، ولم أعد أرى تجربتي خارج المغرب كفشل، ولا كقرار متسرع، بل كخطوة ضرورية في مسار لم يكن واضحا بعد، بما فيه الكفاية. تعلمت أن بعض التجارب لا تأتي لتعطينا ما نريد، بل لتكشف لنا ما نحتاج أن نستوعبه … أن نضمره … أن نفهمه … أن نقتنع به. وفي لحظة هدوء لاحقة، سألت نفسي:

ماذا تغير فيك ؟ وجاء الجواب هذه المرة ، أوضح بكثير :
صرت أكثر جرأة من ذي قبل.
أقل خوفا من الاختيار.
أقل استعدادا للتنازل اللامنطقي.
أكثر قربا من ذاك الصوت الداخلي الذي كنت أتجاهله احيانا.
لم أعد أبحث عن تبرير لما فعلت أو قمت به.
لم أعد أبتغي أي اعتراف من أحد.
فقد كان يكفيني أن أكون منسجمة مع اختياراتي … نفسي … أرائي … مقتنعة بها. لأن بعض التجارب لاتترك أثرها في الذاكرة فقط، بل في الطريقة التي نعيش بها ما يأتي بعدها فلم أعد تلك – الأنثى – التي سافرت وعادت، بل صرت تلك الأستاذة التي فهمت أن الطريق الى الذات، يمر أحيانا عبر انكسار هادئ … لكنه عميق.

يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *