الخطاب السياسي في ملعب التمويه..

الخطاب السياسي في ملعب التمويه..

“قمقم باش ما نفهمش”

     منير لكماني

في السياسة، ليست المشكلة أن يستعمل المسؤول مصطلحا صعبا، فالقضايا العامة معقدة بطبيعتها، وفيها الإقتصاد والقانون والإحصاء والتربية والمالية. المشكلة تبدأ حين يصبح المصطلح بديلا عن الفكرة، وحين تتحول اللغة من وسيلة للفهم إلى أداة للتهرب. عندها لا يعود الكلام شرحا، بل يصبح ستارا؛ ولا يعود السياسي مخاطبا للمواطن، بل ممثلا أمامه دور العارف بما لا يريد أن يشرحه.

لبعض الساسة موهبة نادرة: أن يجعلوا الكلمة أوسع من معناها، والجملة أطول من جوابها، والسؤال أبعد بعد الجواب مما كان قبله. فإذا ضاق عليهم الوضوح، استنجدوا بمصطلح ثقيل، وألبسوه وقارا زائفا، ثم تركوه في منتصف الطريق كحجر عثرة بين المواطن والفهم. لا يشرحونه حتى يصير علما، ولا يتركونه حتى يبقى جهلا، بل يعلقونه بينهما؛ فيخرج السامع من الحوار وفي يده لفظ، وفي رأسه غبار، وفي قلبه شك بأن ما قيل لم يكن يراد به أن يفهم، بل أن يمر.

هذه ليست براعة في التواصل، بل ضعف في إحترام المتلقي. فالمواطن لا يطلب من السياسي درسا جامعيا، ولا ينتظر منه أن يحول كل حوار إلى محاضرة تقنية، لكنه يطلب الحد الأدنى من الوضوح. يريد أن يعرف ماذا تقصد، وما أثر كلامك على حياته، ومن سيدفع كلفة القرارات، وما الذي سيتغير فعلا. أما أن يخرج المسؤول بمصطلح لا يضبطه نطقا، ولا يملكه شرحا، ثم يطلب من الناس أن يثقوا، فذلك من غرائب السياسة عندنا.

كانت لحظة المصطلح الإكتواري في برنامج “ساعة الصراحة” كاشفة بهذا المعنى. فالمشهد لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل كشف عن إرتباك أوسع في علاقة الخطاب السياسي بالمعرفة. حين يعجز السياسي عن نطق مفهوم يستعمله للدفاع عن تصور أو إصلاح، وحين يشاركه الصحافي الإرتباك نفسه، يصبح المشاهد أمام لحظة غريبة: مصطلح ثقيل يتنقل بين المتحاورين دون أن يجد من يحمله بوضوح إلى المواطن. وهنا لا يكون الذهول بسبب صعوبة المفهوم، بل بسبب سهولة تبسيطه لو توفرت الرغبة والتمكن.

فالدراسة الإكتوارية ليست لغزا. هي ببساطة دراسة تقيس قدرة نظام التقاعد على الإستمرار، من خلال مقارنة ما يدخل إلى الصندوق من اشتراكات وعوائد بما يخرج منه من معاشات والتزامات، مع احتساب السن، وعدد المنخرطين، وعدد المتقاعدين، ومتوسط العمر. فإذا كانت الموارد تكفي الإلتزامات فهناك فائض، وإذا لم تكف فهناك عجز. هذا كل ما في الأمر. لكن حين يعجز الخطاب عن قول هذا المعنى البسيط، يبدأ الشك: هل المصطلح أداة للشرح، أم وسيلة لتغليف قرار لا يراد له أن يناقش بوضوح؟

والأمر لا يقف عند الإكتوارية. فقد رأينا أيضا كيف يمكن لكلمة مثل “النمذجة” أن تتحول إلى مناسبة للسخرية حين لا تقدم في سياق واضح. والغريب أن الأمر صدر في مجال التعليم، حيث يفترض أن تكون القدرة على الشرح جزءا من صميم المسؤولية. فالنمذجة، في معناها العام، ليست إلا تقديم نموذج يساعد على الفهم أو التعلم أو التطبيق. غير أن الكلمة، حين تنطق دون تثبيت معناها، تصبح مثل حقيبة مغلقة: شكلها يوحي بشيء مهم، لكن لا أحد يعرف ما بداخلها.

السخرية التي تلي مثل هذه اللحظات ليست عداء للمعرفة، بل احتجاج على إدعائها. الناس لا يضحكون من المصطلح لأنه صعب، بل يضحكون حين يرون من يستعمله كأنه يختبئ وراءه. المواطن المغربي ذكي بطبعه، يلتقط بسرعة الفرق بين من يشرح لأنه يفهم، ومن يكثر الكلام لأنه لم يمسك بالفكرة. وقد يصمت المتلقي إحتراما للمقام، لكنه لا يفقد حقه في السؤال ولا قدرته على التمييز.

ومن هنا تنشأ خطورة خطاب التفاهة. فهو لا يأتي دائما في شكل كلام بسيط، بل قد يظهر أحيانا في ثوب فخم من الكلمات. التفاهة ليست في أن تتكلم بلغة شعبية، بل في أن ترفع العبارة فوق قدرها، وتكسو الفراغ بزينة البلاغة والمصطلحات. وليست البساطة نقصا، بل قد تكون أعلى درجات الفهم. فالذي يملك فكرته يستطيع أن يشرحها بوضوح، أما الذي لا يملكها فيكثر من الحواشي والإلتفافات.

ومع اقتراب الإنتخابات التشريعية، تزداد الحاجة إلى الحذر من هذا النوع من الخطاب. فالمواطن لا ينبغي أن يكتفي بالتصفيق للكلمات الكبيرة، ولا أن ينساق خلف العبارات الجاهزة من قبيل: “كل الأحزاب متشابهة”، “نفس الوجوه”، “لا أمل في أحد”، أو “يجب فسح المجال للشباب”. هذه الجمل قد تبدو ثورية، لكنها قد تتحول إلى مخدر ناعم يعفي الإنسان من التفكير. فالمعيار الحقيقي ليس العمر، ولا الواجهة، ولا الشعار، بل النزاهة، والكفاءة، والمصداقية، والقدرة على مواجهة الفساد.

السياسة الجادة لا تحتاج إلى قمقمة، بل إلى بيان. تحتاج إلى مسؤول يقول ما يعرف، ويعترف بما لا يعرف، ويشرح ما يقترح، ويتحمل تبعات ما يقول. أما السياسة التي تستعمل المصطلحات لتكبير المسافة بينها وبين المواطن، فهي سياسة تخاف من الفهم. ومن يخاف من فهم الناس، لا يطلب مشاركتهم، بل يطلب صمتهم.

لذلك، فإن عبارة “قَمْقِمْ باش ما نفهمش” ليست مجرد نكتة لغوية، بل توصيف دقيق لمرض في الخطاب العام. مرض يجعل الكلام كثيرا والمعنى قليلا، ويجعل المصطلح أرفع من الفكرة، ويحول الحوار إلى تمرين في النجاة من السؤال. وفي النهاية، لا يهزم هذا المرض إلا مواطن يسأل بهدوء، وينصت بذكاء، ولا يسمح للكلمات الكبيرة أن تعفي أصحابها من واجب الشرح وحق الناس في الفهم.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *