الشيب…
شهادة التجربة ومرآة الحكمة
الشيب أول حكمة الجسد

ليس الشيب بياضا يهبط على الشعر فحسب، بل هو لغة خفية يكتب بها الزمن سيرته على رأس الإنسان. يأتي متدرجا في البدء، خيطا دقيقا يكاد لا يلتفت إليه صاحبه، ثم يتكاثر قليلا قليلا حتى يغدو حضورا لا يمكن صرف النظر عنه. وعندئذ لا يشعر الإنسان أنه فقد لونا من ألوان الشباب فقط، بل يحس أن مرحلة كاملة من عمره قد إنطوت، وأن مرحلة أخرى قد فتحت له بابها في هدوء. فالشيب لا يجيء بوصفه نقصا في الخلقة، بل بوصفه زيادة في المعرفة، ولا يحل في الجسد علامة وهن فقط، بل إشارة إلى أن الروح قد عبرت مسافات من التجربة لم تكن تعرفها من قبل. لذلك كان الشيب أول حكمة الجسد، به يتعلم الإنسان أن العمر ليس ما يمر من السنوات وحدها، بل ما تتركه هذه السنوات في النفس من إتزان ووعي ورضا.
المرآة حين تصبح شاهدة على الرحيل
وما أقسى لحظة يواجه فيها المرء صورته بعد أن يتمكن الشيب من ملامحه، لأنه يقف أمام المرآة فلا يرى وجهه وحده، بل يرى الزمن كله وقد إستقر على جبينه ورأسه. هناك تفاجئه صورته كما لو كانت صورة رجل آخر، وتضطرب نفسه بين المعرفة والإنكار، ويخال أنه ينظر إلى شخص كان يعرفه ثم غاب، أو إلى شخص لم يعرفه قط ثم خرج فجأة من أعماقه. وفي تلك الرعشة الصامتة ينساب المعنى من غير تكلف: إني نظرت إلى المرآة إذ جليت فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا، رأيت فيها شيخا لست أعرفه وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى. فلا يعود البيت هنا زينة عابرة، بل يصير لسان الحال نفسه، إذ من ذا الذي لا يسأل عند هذه المفاجأة: فقلت أين الذي مثواه كان هنا متى ترحل عن هذا المكان متى. وكأن المرآة لا تعكس الملامح فحسب، بل تعكس أيضا ذلك الفقد الخفي الذي لا يراه الناس، فقد الفتى الذي كان يملأ الوجه إشراقا وإنطلاقا.
من لوعة الدهشة إلى سكينة الفهم
غير أن الشيب، على ما يثيره أول الأمر من أسى، لا يلبث أن يكشف عن وجه آخر أكثر رحمة وأعمق معنى. فالإنسان حين يطيل التأمل يدرك ان الذي تغير ليس جوهره، بل طور من أطواره، وأن ما يراه في المرآة ليس خصما حل مكانه، بل إمتداده الطبيعي بعد مسيرة العمر. ومن هنا تهدأ اللوعة شيئا فشيئا، ويصبح الحزن معرفة، وتتحول الدهشة قبولا، حتى ليخال المرء أن المرآة نفسها تواسيه وترد على إضطرابه بقولها الصامت: فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت قد كان ذاك وهذا بعد ذاك أتى، هون عليك فهذا لا بقاء له أما ترى العشب يفنى بعدما نبتا. فيفهم عندئذ أن الذبول ليس إهانة للنضارة، بل خاتمتها الطبيعية، وأن كل جمال في الدنيا محكوم عليه أن يمر ثم يمضي، لا ليضيع، بل ليعلم القلب كيف يحب الأشياء من غير تعلق أعمى، وكيف يودعها من غير سخط. وهكذا يصبح الشيب درسا في التخفف، ومعلما يلقن النفس أن الرضا ليس إستسلاما، بل بصيرة.
وقار يولد من رماد الأيام
وإذا كان الشباب يفخر بقوته الظاهرة، فإن الشيب يفخر بقوة أخرى لا ترى بالعين، هي قوة النضج الذي تصنعه التجارب وتقومه العثرات وتصقله الخيبات. فكم من كلمة سكت عنها الشيخ لأن العمر علمه موضع الكلام، وكم من أمر تجاوز عنه لأن الأيام كشفت له صغار الأمور من كبارها، وكم من حماسة كانت ستورده الندم لولا أن الشيب جعله أكثر تؤدة واوسع صدرا. لذلك لا يهب الشيب صاحبه هيبة مصطنعة، بل يكسوه وقارا متولدا من الداخل، وقارا لا تصنعه الثياب ولا تتكلفه الهيئة، بل ينشأ من روح عبرت كثيرا وفهمت كثيرا وسامحت كثيرا. ومن ثم يغدو الشيخ أبصر بالحياة من الشاب، لا لأنه أقوى منه جسدا، بل لأنه أكثر منه معرفة بمكر الأيام وتقلب الناس وأوزان الأمور.
حين يتبدل النداء وتتبدل المنزلة
ولعل من أبلغ ما يصنعه الشيب في حياة الانسان أنه يبدل موضعه بين الناس، فينقله من منزلة الى منزلة، ومن خطاب إلى خطاب. فما كان في مطلع العمر يسمى أخا وندا، يغدو في آخره أبا ورمزا ومرجعا. وليس هذا التحول تغير لفظ فحسب، بل إنقلابا في المعنى والمكانة والدور. وفي هذا تتجسد تلك الحسرة الموشاة بالوقار في قول يجيء منسجما مع السياق كله: كان الغواني يقلن يا أخي فقد صار الغواني يقلن اليوم يا أبتا. فالبيت هنا لا يقف غريبا عن الفكرة، بل يكشف لبها، إذ يبين كيف يرحل الإنسان عن ضفاف المنافسة العاطفية إلى شاطئ الهيبة الهادئة، وكيف تتحول صورته في الأعين من فتنة الحضور إلى جلال التجربة. وما كان يعد خسارة في ظاهر الأمر يصير مكسبا أعمق، لأن إحترام السنين أبقى من إعجاب اللحظة، ومقام الأبوة أرسخ من مقام الفتوة.
الشيب جمال المعنى لا إنطفاء الصورة
ولهذا كله لا ينبغي أن ينظر الى الشيب نظر نفور أو ضيق، لأنه ليس عيبا في الخلقة ولا جرحا في الجمال، بل صورة أخرى من صور الحسن، غير أنها صورة لا يدركها إلا من أبصر المعنى وراء المظهر. فبياض الشعر قد يطفئ بعض بهجة اللون، لكنه يضيء في المقابل نورا آخر، نور السكينة والوقار وصدق التجربة. ومن فهم الشيب على هذا النحو لم يعد يراه علامة إنطفاء، بل علامة إكتمال، ولم يعد يراه نذير خسارة، بل بشارة تحول من جمال الجسد إلى جمال الروح. وهكذا يعلمنا الشيب أن الحياة لا تقاس بما سقط منها، بل بما نضج فيها، وأن الإنسان قد يخسر إندفاع الشباب، لكنه يربح في المقابل صفاء لا يشتريه عمر صغير، وحكمة لا يمنحها إلا زمن طويل، ورضا لا يولد إلا بعد أن يتصالح المرء مع نفسه ومع مرور الأيام.
