وهج الحكاية …
بين سحر الراوي وهيمنة الذكاء الإصطناعي

لم تغب الحكاية عن الإنسان في أي عصر؛ لأنها ليست مجرد تسلية عابرة، بل وسيلة لفهم العالم، وتثبيت المعنى، ومقاومة النسيان. فمنذ المجالس القديمة إلى منصات اليوم، ظل الإنسان في حاجة إلى من يروي له، ويمنح الأحداث روحا، ويحول التفاصيل المتناثرة إلى قصة مشوقة ذات بداية وعقدة ونهاية. ولهذا، لم يكن الحكواتي في الثقافة العربية شخصية هامشية، بل كان حاملا للذاكرة، وصوتا للخيال الشعبي، ووسيطا بين الناس وتجاربهم الكبرى. واليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي، لا يختفي هذا الدور، بل يعاد تشكيله في صورة جديدة أكثر سرعة وانتشارا وتأثيرا.
الحكواتي القديم: سيد المجلس وحارس الذاكرة
في المدن العربية القديمة، كان الحكواتي جزءا من الحياة اليومية والثقافية. يجلس في المقهى أو الساحة، ويبدأ حكايته بصيغة مألوفة تشد السامعين منذ اللحظة الأولى: “كان يا ما كان”. بهذه العبارة البسيطة، كان يفتح بابا واسعا على عوالم الفرسان والعشاق والغرباء والأبطال. ولم تكن قوته في النص وحده، بل في حضوره: نبرة صوته، وحركات يديه، وطريقته في رفع التوتر وتأجيل النهاية حتى يظل الجمهور مشدودا إليه.
وكان الحكواتي يؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه، إذ يسهم في حفظ السيرة الشعبية، ونقل القيم الأخلاقية، وترسيخ صور الشجاعة والكرم والوفاء. ومن خلال الحكاية، كانت المجتمعات تتعرف إلى نفسها، وتعيد سرد تاريخها، وتمنح الناس فرصة للإنصات والتخيل والتأمل.
الحلايقي المغربي: الحكاية في قلب الحلقة
في المغرب، اكتسب الحكواتي ملامح خاصة في شخصية “الحلايقي”، الذي ارتبط بساحات الفرجة الشعبية، ولا سيما ساحة جامع الفنا في مراكش. هناك، تتحول الحلقة إلى مسرح حي، يقف في وسطه الراوي محاطا بالناس، وينسج حكاياته من التراث والأسطورة واليومي والمعجز. والحكاية هنا ليست خطابا جامدا، بل فعلا حيا يتنفس مع الجمهور، ويتلون بحسب تفاعله واستجابته.
لقد شكلت هذه الحلقة فضاء اجتماعيا وثقافيا فريدا، حافظ على الذاكرة الشفوية المغربية، وجعل من الكلمة المروية شكلا من أشكال المقاومة الثقافية في وجه النسيان والتبدل. غير أن هذا الفن، على غناه وعمقه، وجد نفسه أمام تحديات جديدة فرضها العصر الرقمي، حيث تغيرت عادات المشاهدة، وتراجع الصبر على السرد الطويل، وصار الإيقاع السريع هو المهيمن على الذائقة الحديثة.
من المقهى إلى المنصة: ولادة الحكواتي الرقمي
مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، انتقل السرد من الفضاء الجماعي المباشر إلى الفضاء الرقمي المفتوح. وظهر نوع جديد من الرواة يمكن أن نسميه “الحكواتي الرقمي”، وهو صانع محتوى يعرف كيف يحول الوقائع اليومية، أو الحكايات التراثية، أو التجارب الشخصية إلى قصة جذابة تصل إلى آلاف، بل إلى ملايين المتابعين.
هذا الحكواتي الجديد لا يحمل عصا، ولا يجلس في مقهى شعبي، لكنه يمتلك أدوات أخرى: الكاميرا، والمونتاج، والمؤثرات الصوتية، والقدرة على شد الانتباه في ثوان معدودة. وهو، مثل الحكواتي القديم، يبني التشويق، ويختار اللحظة المناسبة للمفاجأة، لكنه يفعل ذلك في بيئة مختلفة، حيث يقاس النجاح بعدد المشاهدات والتفاعلات والمشاركات.
الذكاء الاصطناعي: من أداة تقنية إلى شريك في السرد
إذا كان التحول الرقمي قد غير شكل الحكواتي، فإن الذكاء الاصطناعي يذهب أبعد من ذلك؛ لأنه لا يكتفي بتوفير منصة للنشر، بل يشارك في صناعة الحكاية نفسها. فهذه التقنية قادرة على اقتراح أفكار، وتوليد نصوص، وصياغة حوارات، وتحويل القصص إلى مشاهد بصرية وصوتية، بل وإعادة بناء الحكايات الشعبية في أشكال حديثة تناسب المتلقي المعاصر.
وهنا تظهر قيمة الذكاء الاصطناعي في إحياء التراث الشفهي؛ لأنه يساعد على جمع الحكايات القديمة، وتوثيقها، وإعادة تقديمها بصيغ جذابة. ويمكن، بوساطته، أن تتحول الحكاية المغربية أو العربية إلى تجربة تفاعلية تجمع بين النص والصوت والصورة، من دون أن تفقد جذورها الثقافية. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي جسرا بين الماضي والمستقبل، وبين الذاكرة الشعبية والوسيط الرقمي.
بين الأصالة والتجديد
غير أن هذا التحول لا يخلو من أسئلة جوهرية. فالحكاية ليست كلمات فقط، بل روح وحضور وعلاقة مباشرة بين الراوي والجمهور. ومن هنا، يخشى كثيرون أن يؤدي الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى فقدان العفوية التي كانت سر سحر الحكواتي القديم. فالتقنية تستطيع أن تساعد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعوض الدهشة الإنسانية الصافية.
لذلك، يبدو المستقبل الأنسب هو ذاك الذي يجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة الحكواتي، لا في مكانه. فحين يلتقي الراوي المبدع بالأداة الذكية، يمكن للحكاية أن تتجدد من غير أن تنقطع عن أصلها. وعندها تظل العبارة القديمة حية، ولكن بصوت جديد: “كان يا ما كان.. بصيغة رقمية”.
23/04/26 ألمانيا
