لعبة التأويل..

لعبة التأويل..
موضوع

عندما تذوب بنية النظام السياسي بعد تمييع مفهوم السلطة…

في التحولات السياسية المعاصرة، لم تعد السلطة تُمارس فقط عبر المؤسسات الصلبة أو القرارات المباشرة، بل أصبحت أكثر سيولة، تتخفّى داخل الخطاب، وتعيد تشكيل نفسها من خلال اللغة والرموز. هذه “السيولة” لا تعني ضعف السلطة، بل على العكس، قد تكون أحد أكثر أشكالها فاعلية، لأنها تُفقد الأفراد القدرة على تحديد مركزها الحقيقي، فتبدو وكأنها في كل مكان ولا مكان في آنٍ واحد.
إن تمييع مفهوم السلطة يخلق حالة من الالتباس: من يحكم فعلاً؟ ومن يقرر؟ وحين تغيب الإجابات الواضحة، يتحول النقاش من مساءلة السلطة إلى تأويلها. هنا يظهر دور الفئة المثقفة، التي تجد نفسها أمام فضاء مفتوح من التفسيرات، فتدخل في جدل نظري لا ينتهي، قد يستهلك طاقتها بدل أن يوجّهها نحو الفعل النقدي المؤثر.
غير أن هذه العملية ليست بريئة دائماً. فاستدراج المثقف يتم بطرق ناعمة: عبر إشراكه في إنتاج الخطاب، أو منحه مساحة ظاهرية من الحرية، أو حتى عبر تحميله مسؤولية تفسير الواقع بدل تغييره. وهكذا يتحول من ناقد للسلطة إلى جزء من آلياتها الرمزية، حيث يساهم أحياناً دون وعي في إعادة إنتاجها.
المفارقة أن المثقف، الذي يفترض أن يكون ضمير المجتمع، قد يصبح رهينة لنصوصه وتأويلاته. وبينما ينشغل بتحليل الخطاب، تتكرس البنى السلطوية في الواقع. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في دور النخبة: هل يكفي أن نفكك اللغة، أم يجب أن نعيد ربطها بالفعل؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كشف آليات تمييع السلطة، بل في استعادة وضوح المفاهيم، وإعادة توجيه الجهد الفكري نحو مساءلة حقيقية تُخرج النقاش من دائرة التأويل إلى فضاء التغيير. ففي زمن تتقن فيه السلطة فن الاختباء، يصبح الوضوح فعلاً مقاوماً بحد ذاته.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *