هل أتاك حديث السلم و السلام؟

هل أتاك حديث السلم و السلام؟
موضوع

الحرب … تعبير عن اختلالات نفسية وعصبية تتسلل إلى مراكز القرار.

Stop.psy.balbal 🛑
هنا كلمة:
في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح مع الهويات، نجد أنفسنا أمام لحظة إنسانية فارقة تستدعي وقفة تأمل عميقة، لا بوصفنا أطرافا متنازعة، بل بوصفنا كائنات بشرية نتقاسم هشاشة الوجود وقلق المصير. إن هذه الرسالة موجهة إلى الشعوب الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية، وإلى كل الفاعلين المنخرطين بشكل مباشر أو غير مباشر في دوائر الصراع، وهي نداء يتجاوز السياسة نحو جوهر الإنسان.
من موقعي كمفكر سيكولوجي، أرى أن الحرب ليست فقط نتيجة تضارب المصالح أو اختلاف الاستراتيجيات، بل هي في عمقها تعبير عن اختلالات نفسية وعصبية تتسلل إلى مراكز القرار. إنها انعكاس لقلق غير معالج، لشعور بالتهديد الوجودي، ولنـزعات دفاعية تتحول إلى عدوانية حين تفقد القدرة على الحوار. فحين يختزل العالم في ثنائية “نحن” و”هم”، يصبح الآخر تهديدا يجب إلغاؤه، لا إنسانا يجب فهمه.
إن أخطر أشكال الحروب هي تلك التي تتغذى من البعد العقدي والديني والايديولوجي، حيث يتحول الصراع من نزاع سياسي قابل للتفاوض إلى مواجهة وجودية تضفى عليها قداسة زائفة. في هذه الحالة، لا يعود الهدف هو تحقيق توازن أو تسوية، بل يصبح “الانتصار” مرادفا للإلغاء، و”الحق” مبررا للتدمير. وهنا تكمن المأساة الكبرى: حين تستخدم القيم الروحية لتبرير العنف، بدل أن تكون جسرا للتسامح.
إن الإنسان، في بنيته النفسية، يحمل في داخله نزعتين متناقضتين: نزعة نحو الحياة والتعايش، وأخرى نحو السيطرة والإقصاء. ودور الثقافة، والتربية، والمؤسسات، هو ترجيح كفة الأولى على حساب الثانية. لكن حين تضعف هذه الوسائط، أو يتم توظيفها بشكل إيديولوجي، فإن النزعة العدوانية تجد طريقها إلى الفعل، فتترجم في شكل حروب، وعنف، وتدمير.
أيها الأمريكيون، أيها الإيرانيون، أيها الإسرائيليون، وكل من يتابع وينخرط في هذا الصراع: إن القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على الردع أو التدمير، بل في القدرة على الفهم، وعلى ضبط الانفعال، وعلى تحويل الصراع إلى فرصة لإعادة بناء الثقة. إن الشعوب، في عمقها، لا تريد الحرب؛ إنها تريد الأمان، والكرامة، والمعنى. لكن الخطاب المتوتر، والذاكرة الجريحة، والخوف المتبادل، كلها عوامل تغذي دائرة مغلقة من العنف.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب، مهما طالت، تنتهي إلى طاولة المفاوضات. فلماذا لا نبدأ من حيث سننتهي؟ لماذا نهدر الأرواح وندمر البنى ونعمق الجراح، فقط لنصل في النهاية إلى ما كان ممكنا منذ البداية: الحوار؟
إن المفاوضات ليست ضعفا، بل هي أرقى أشكال القوة النفسية والسياسية. إنها تعبير عن نضج، عن قدرة على الاعتراف بالآخر، وعن استعداد لتحمل مسؤولية المستقبل. وهي، قبل كل شيء، فعل إنساني يعيد للسياسة معناها الأخلاقي.
إنني أدعو، من هذا المنبر، إلى تبني ثقافة السلام، لا كشعار، بل كممارسة يومية تبدأ من الخطاب وتنتهي بالفعل. ثقافة تعترف بالاختلاف دون أن تحوله إلى عداوة، وتقر بالحقوق دون أن تلغي الآخر. ثقافة تعيد تعريف “النصر” ليصبح انتصارا للحياة، لا للموت.
كما أدعو إلى إدماج البعد السيكولوجي في فهم الصراعات، لأن تجاهل هذا البعد يبقي الحلول سطحية ومؤقتة. نحن بحاجة إلى قراءة نفسية للقرار السياسي، إلى فهم ديناميات الخوف، والهوية، والإسقاط، التي تحرك السلوك الجماعي. فبدون هذا الفهم، سنظل نعالج الأعراض ونهمل الجذور.
إن العالم اليوم في حاجة إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة الاعتراف، شجاعة الاعتذار، شجاعة البدء من جديد. وهذه الشجاعة لا تقاس بعدد الصواريخ، بل بقدرة القادة على كسر دائرة العنف، وعلى الإنصات لصوت الإنسان في داخلهم.
في الختام، أقول: لا مستقبل للبشرية في ظل منطق الإلغاء. ولا أمل في السلام دون عدل، ولا عدل دون حوار. فلنعد للإنسان مكانته، وللعقل دوره، وللقلب صوته. ولندرك أن ما يجمعنا، رغم كل شيء، أكبر بكثير مما يفرقنا.
إن السلام ليس خيارا مثاليا، بل ضرورة وجودية. ومن لا يتعلم التعايش، يخاطر بالزوال.

Dr si mohamed balbal 🪻🌿
مفكر وباحث وشاعر/المغرب

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com