من التفسير إلى التبرير..
في صدق المعنى 2

رابط انتقالي :
ويبقى الصفاء الأول سريع التبخر ، فما أن يقترب فهم ما يمسنا ، حتى تبدأ تلك المسافة الصامتة – التي تفصل بيننا وبين ما نبتغي تفسيره – في التقلص . فيخيل الينا أننا مازلنا في دروب الاصغاء ، بينما نحن نقترب أكثر وأكثر مما نعتقد أننا نراه بوضوح تام ، في حين أن القرب نفسه يبدأ في إعادة تشكيل ما نراه . وهكذا دون اعلان ، ينتقل التفسير من إنصات هادئ الى اقتراب يوشك أن يفقد توازنه … ومن هنا بالضبط ، تبدأ حكاية أخرى : ” حكاية القرب الذي يصبح حجابا “
النافذة الثانية
حين يصبح القرب حجابا تضيع المسافات
حين يبدأ التفسير كانصات ، فإنه يكون في أمس الحاجة – ككل إنصات صادق – الى مسافة ما ، وهي ليست مسافة جغرافية ، ولا مسافة داخلية :
تفصل بين ما نراه … وما نرغب في رؤيته ، بين ماحدث … وما نتمنى لو أنه لم يحدث ، بيننا … وبين أنفسنا حين نكون جزءا من الحكاية .
هذه المسافة هي ما يمنح التفسير نزاهته وبعده الواقعي . فتجعلنا قادرين على أن نكون شهودا ، لا أطرافا : ملاحظين ، لا متورطين . دون أن تبقى تلك المسافة ثابتة . فهي تضيق … كلما اقتربنا مما يمسّنا ، وكلما أصبحت الحقيقة أقل راحة مما تَوَقعْنا . وعند كل بداية لاننتبه لذاك التقلص ، فنعتقد أنّا لازلنا في دائرة التفسير ، بينما نحن – في حقيقة الأمر – نكون أكثر اقترابا مما ينبغي أن نكونه . وهكذا شيئا فشيئا ، نبدأ في خلط دقيق يكاد لا يُرى : نُلبس الوقائع تأويلاتنا ، ونُسْقط على الأحداث حاجتنا الى الاتساق ، فنعيد ترتيب ما حدث – لا كما كان – بل كما يمكن احتماله . وعندئذ لا ينهار التفسير دفعة واحدة ، بل يأخذ في الانحراف ببطء . ونظل نستخدم نفس اللغة … نفس المفاهيم … نفس نبرة التحليل والتأويل الهادئ ، لكن شيئا ما يكون قد تغير في العمق : لم نعد نسأل لنفهم ، بل لنؤكد ما بدأ يتشكل في دواخلنا . وفي تلك اللحظة بالذات ، تتحول المسافة من شرط للفهم الى عبء نحاول التخلص منه . فنقترب أكثر … حتى نفقد القدرة على الرؤية ، ليس لأن الواقع أصبح غامضا ، بل لأننا أصبحنا قريبين منه أكثر مما ينبغي .
وتبقى تلك هي مفارقة التأويل : فكلما التصقنا بما نفسره ، ازددنا يقينا … وقل فهمنا . ليبقى أصعب ما في الأمر محصورا في أن فقدان تلك المسافة ، لا يُعلن عن نفسه . فلا نحس بأننا أنجزنا ، بل نشعر بأننا أخيرا تمكنا من الفهم . وهنا بالضبط تكمن لحظة الخطر الحقيقية ، حين يتحول القرب الى وهم وضوح ، ويصبح الانخراط العاطفي بديلا عن الرؤية النقدية المتوخاة . فكيف نستعيد هذه المسافة ؟ بعيدا عن أي انسحاب ، أو ادعاء حياد مطلق – لأنه وهم اخر – بل بوعي دائم ويقين تام بأننا لسنا خارج منظومة ما نحن بصدد تفسيره . خاصة وأننا في كل محاولة للفهم ، نكون قد حملنا معنا تاريخنا … رغباتنا … امالنا … مخاوفنا … وأن النزاهة لا تعني غيابها ، بل القدرة على رؤيتها وهي تتدخل . لأن المسافة ليست ابتعادا عن الواقع ، بل اقترابا واعيا منه … دون أن تذوب فيه .
طنجة في 8 أبريل 2026
