من التفسير إلى التبرير..

من التفسير إلى التبرير..

في صدق المعنى 2

        المختار عنقا الادريسي

رابط انتقالي :
ويبقى الصفاء الأول سريع التبخر ، فما أن يقترب فهم ما يمسنا ، حتى تبدأ تلك المسافة الصامتة – التي تفصل بيننا وبين ما نبتغي تفسيره – في التقلص . فيخيل الينا أننا مازلنا في دروب الاصغاء ، بينما نحن نقترب أكثر وأكثر مما نعتقد أننا نراه بوضوح تام ، في حين أن القرب نفسه يبدأ في إعادة تشكيل ما نراه . وهكذا دون اعلان ، ينتقل التفسير من إنصات هادئ الى اقتراب يوشك أن يفقد توازنه … ومن هنا بالضبط ، تبدأ حكاية أخرى : ” حكاية القرب الذي يصبح حجابا “

النافذة الثانية

حين يصبح القرب حجابا تضيع المسافات

حين يبدأ التفسير كانصات ، فإنه يكون في أمس الحاجة – ككل إنصات صادق – الى مسافة ما ، وهي ليست مسافة جغرافية ، ولا مسافة داخلية :
تفصل بين ما نراه … وما نرغب في رؤيته ، بين ماحدث … وما نتمنى لو أنه لم يحدث ، بيننا … وبين أنفسنا حين نكون جزءا من الحكاية .
هذه المسافة هي ما يمنح التفسير نزاهته وبعده الواقعي . فتجعلنا قادرين على أن نكون شهودا ، لا أطرافا : ملاحظين ، لا متورطين . دون أن تبقى تلك المسافة ثابتة . فهي تضيق … كلما اقتربنا مما يمسّنا ، وكلما أصبحت الحقيقة أقل راحة مما تَوَقعْنا . وعند كل بداية لاننتبه لذاك التقلص ، فنعتقد أنّا لازلنا في دائرة التفسير ، بينما نحن – في حقيقة الأمر – نكون أكثر اقترابا مما ينبغي أن نكونه . وهكذا شيئا فشيئا ، نبدأ في خلط دقيق يكاد لا يُرى : نُلبس الوقائع تأويلاتنا ، ونُسْقط على الأحداث حاجتنا الى الاتساق ، فنعيد ترتيب ما حدث – لا كما كان – بل كما يمكن احتماله . وعندئذ لا ينهار التفسير دفعة واحدة ، بل يأخذ في الانحراف ببطء . ونظل نستخدم نفس اللغة … نفس المفاهيم … نفس نبرة التحليل والتأويل الهادئ ، لكن شيئا ما يكون قد تغير في العمق : لم نعد نسأل لنفهم ، بل لنؤكد ما بدأ يتشكل في دواخلنا . وفي تلك اللحظة بالذات ، تتحول المسافة من شرط للفهم الى عبء نحاول التخلص منه . فنقترب أكثر … حتى نفقد القدرة على الرؤية ، ليس لأن الواقع أصبح غامضا ، بل لأننا أصبحنا قريبين منه أكثر مما ينبغي .
وتبقى تلك هي مفارقة التأويل : فكلما التصقنا بما نفسره ، ازددنا يقينا … وقل فهمنا . ليبقى أصعب ما في الأمر محصورا في أن فقدان تلك المسافة ، لا يُعلن عن نفسه . فلا نحس بأننا أنجزنا ، بل نشعر بأننا أخيرا تمكنا من الفهم . وهنا بالضبط تكمن لحظة الخطر الحقيقية ، حين يتحول القرب الى وهم وضوح ، ويصبح الانخراط العاطفي بديلا عن الرؤية النقدية المتوخاة . فكيف نستعيد هذه المسافة ؟ بعيدا عن أي انسحاب ، أو ادعاء حياد مطلق – لأنه وهم اخر – بل بوعي دائم ويقين تام بأننا لسنا خارج منظومة ما نحن بصدد تفسيره . خاصة وأننا في كل محاولة للفهم ، نكون قد حملنا معنا تاريخنا … رغباتنا … امالنا … مخاوفنا … وأن النزاهة لا تعني غيابها ، بل القدرة على رؤيتها وهي تتدخل . لأن المسافة ليست ابتعادا عن الواقع ، بل اقترابا واعيا منه … دون أن تذوب فيه .

طنجة في 8 أبريل 2026

يتبع

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com