همسات السهر 3
سرّ الشباب..

من لطائف الله في أول العمر أن يجعل للشباب بريقا يفتن الناظر، وسرّا يمتحن السالك؛ فليس الشباب حداثة سنّ فحسب، ولا قوة جسد فقط، ولكنه فسحة مودعة بين الإمكان والاختيار، وميدان تظهر فيه حقيقة الوجهة قبل أن تثقل الخطى بأعباء العادة، وتتكاثر على القلب غبرة الأيام. ففيه تنبسط الآمال، وتشتد الرغبات، وتكثر الدواعي، ويكون العبد أقرب إلى الحركة، فإن زكيت حركته علت، وإن تفرقت هبطت.
والشباب زمن عجيب: إذا أقبل على الله بقلبه، سبق في مدة يسيرة ما لا يبلغه غيره في سنين طويلة؛ وإذا أقبل على نفسه، استهلكته الشهوات قبل أن يدرك ما الذي سلبته منه. لأنه سنّ الامتلاء، وما امتلأ بشيء إلا فاض به. فإن امتلأ القلب بمعنى كريم، جرت الجوارح في مسالك النور، وإن امتلأ بهوى خفي، تزينت له الغفلة حتى يحسبها حياة، وهي في التحقيق نوع من التيه المؤجل.
ومن آفات الشباب أنه يرى الزمن واسعا، فيؤخر الإنابة، ويمني النفس بعودة قريبة، كأن الأيام في قبضة يده، وكأن العمر عهد مضمون لا ينقطع. وما أكثر من خدعهم امتداد الأمل، حتى باغتهم انصرام القدرة، أو سبقتهم المقادير إلى حيث لا تنفع الأمنية. فالتسويف في البدايات أشبه شيء بنوم في سفينة تمضي، لا يشعر صاحبها بالمسافة إلا حين يفتح عينه وقد بعد المرسى.
وليس الخطر في قوة الشهوة وحدها، بل في سرعة تزيينها؛ فإن النفس في ريعانها أخف إلى الميل، وأسرع إلى التلون، وأشد انخداعا ببريق الصورة. ورب خاطر صغير استهان به صاحبه، فاستحال مع الأيام عادة، ثم صار طبيعة، ثم غدا قيدا لا يكاد ينكسر. ولهذا كانت صيانة القلب في الشباب من أجلّ النعم، لأن ردّ الشيء في أول ظهوره أيسر من انتزاعه بعد رسوخه.
وفي هذا السنّ سرّ جليل، وهو أن الله يفتح فيه للعبد أبوابا من الطاقة لا يفتحها في غيره، ليظهر شكره في موطن القدرة، لا في حال العجز فقط. فمن عبد الله عند ضعف الداعي فذلك حسن، ولكن من حفظ حدوده مع قوة الميل، وكثرة الصوارف، وحضور أسباب اللهو، فقد شهد من صدق العبودية معنى رفيعا. لأن المجاهدة إذا قامت في زمن الفوران، كان نورها أبقى، وأثرها في الباطن أرسخ.
وما الشباب إلا أمانة مستودعة، يختبر الحق بها عبده: كيف ينفق قوته؟ وفيم يصرف صفاءه؟ ولمن يبذل أول همته؟ فإن أول ما يخرج من القلب أعزّ ما فيه، وإذا توزعت البدايات في غير وجهتها الصحيحة، بقي في الروح شتات لا يجمعه إلا لطف من الله. ورب عبد ضيع شبابه في ملاحقة ما يفنى، فلما أدركه التعب، التفت إلى قلبه فلم يجده حيث تركه، بل وجده موزعا بين آثار قديمة، وشهوات باردة، وندم متأخر.
ومن دقائق هذا الباب أن الشاب قد يفرح بقوته فرح مالك، وهي في الحقيقة عارية، وقد يعجب بصفائه إعجاب مستحق، وهو في الأصل محض منحة. فمتى نسي أن ما فيه موهوب لا ذاتي، انقلبت النعمة عليه حجابا، وصارت القوة سببا للغفلة بعد أن كانت سبيلا إلى السير. وكم من نعمة لم تهلك صاحبها من جهة وجودها، ولكن من جهة نسيانه لمن أودعها فيه.
وإذا أراد الله بعبد خيرا في شبابه، رزقه نفورا من فراغ يبدد روحه، وضيقاً من صحبة تستنزف قلبه، وميلا إلى ما يجمعه بعد تفرق، ويرده إلى نفسه بعد ضياع. فتراه لا يطمئن لكل مجلس، ولا يستريح لكل حديث، لأن في داخله بقية نور تنكر ما لا يوافقها، وتستوحش من كل ما يزيد الحس ويطفئ المعنى. وهذه الوحشة رحمة، لأن من لم يجد في قلبه تمييزا بين ما يرفعه وما يضعه، كان أقرب إلى أن تأكله الأيام وهو يظن أنه يعيش.
وليس المقصود من حفظ الشباب أن يحرم العبد نفسه من المباح، ولا أن يلبس الروح ثوبا من التكلف، ولكن المقصود أن يعرف مواضع الأشياء، فلا يجعل ما خلق وسيلة غاية، ولا ما أعطي زينة أصلا، ولا ما يمر به مقاما يسكن إليه. فالدنيا في عين الشاب أحلى، ولذلك كانت الحاجة إلى الحكمة فيها أشد. ومن لم يؤدب فرحه، ساقه فرحه إلى الغفلة، ومن لم يزن اندفاعه، بدد الاندفاع كنوزه قبل أن يعرف قدرها.
ومن بركة الشباب أن العمل فيه يرسخ، وأن البذرة إذا غرست في أرض القلب يومئذ، خرجت منها مع الأيام شجرة يستظل بها صاحبها في كبره. فمن عود نفسه صدقا في أول الطريق، وجد للصدق لذة تعصمه إذا ادلهمت الفتن. ومن ألزمها الوقوف عند الحد، صار الحد له سجية بعد أن كان مجاهدة. ومن أطلقها في كل مرغوب، صعب عليه ردها حين تشتد حاجته إلى التماسك. فالبدايات أمهات النهايات، ومن استهان بأول أمره، أثقله آخره.
وكم في الشباب من باب للرفعة لو أبصره أهله: ركعتان في خلوة صادقة، غض بصر عند فوران الداعي، صبر عن شهوة تحسن منظرها وتقبح عاقبتها، صدقة تخرج من قلة، دمعة تنحدر من قلب لم تفسده القسوة، حياء يحفظ الروح من التبذل، وخشية تجعل صاحبها كبيرا عند الله وإن كان صغيرا في أعين الناس. فالأقدار لا تزن الأعمار بطولها، ولكن بما امتلأت به من صدق.
فلا تحتقر يا صاحب الشباب ما يقع في قلبك من يقظة؛ فقد يكون فيها بدء التحول. ولا تستهين بما يعرض لك من ألم حين تترك ما تهواه لله؛ فإن في ذلك الألم بذور راحة لا تنالها لذة معصية. ورب حرمان ظاهر جرّ إلى سعة باطنة، ورب متعة عاجلة أورثت القلب ضيقا طويلا. وليس كل ما تحبه النفس نجاة، ولا كل ما تكرهه خسارة، بل كثير من الخير متلفع بثوب المشقة، وكثير من العطب مكلل بإكليل اللذة.
فإن زللت، فلا تقم في مقام اليأس؛ فإن الانكسار بعد العثرة باب نجاة، إذا لم تصحبه إقامة على الذنب ولا رضا بالبعد. وإن وفقت، فلا تقف مع عملك وقفة المستكثر؛ فإن الوقوف مع الطاعة آفة أخرى، وربما سلبت من العمل سره، كما تسلب المعصية من القلب صفاءه. ولكن امض بين خوف يحفظك، ورجاء يسندك، واستعانة تردك كلما أعجبتك نفسك أو أرهقك ضعفك.
واعلم أن أجمل ما في الشباب أن يبذل قبل أن يبرد العزم، وأن يتوجه قبل أن تتشعب السبل، وأن يعرف قيمة ما هو فيه قبل أن يصير خبرا يرويه أو حسرة يطيل النظر إليها. فالأيام إذا مضت بالقوة لا تعود، والعمر إذا أنفق في غير معناه لا يسترد كما كان. والسعيد من جعل أول نضارته لله، حتى إذا ذبل الغصن بقي الثمر.
فالشباب موطن بناء، لا زمن لهو فقط؛ وموسم عهد، لا مرحلة عبور عابرة؛ وسر من أسرار الامتحان، من فهمه صان قلبه، ومن غفل عنه استيقظ على فقد لا يجبره الندم وحده. فخذ من قوتك لضعفك، ومن فراغك لشغلك، ومن صفائك قبل تكدره، ومن إقبالك قبل إدباره. فمن أحسن في أوله، بورك له في آخره، ومن صدق في بدايته، وجد أثر ذلك نورا يمشي به إذا تكاثفت عتمات الطريق.
