قصة قصيرة للكاتب اليمني محمد المخلافي
ظل عند الباب

كان بسام طفلا لا يعرف من الدنيا إلا بيتا صغيرا في طرف القرية، أما أمه مريضة، وأب غائب منذ عامين.
وفي أحد مساءات الصيف الثقيلة، عاد بسام من سوق القرية مسرعا، وفي يده رسالة وصلت من أبيه. دخل البيت وهو ينادي بصوت يملؤه الحماس
– يا أمي، يا أمي، رسالة من أبي.
خرجت أمينة من غرفتها بصعوبة، تستند على الجدار وقد أنهكها السعال وأتعبها المرض. أخذت الرسالة بيد مرتجفة، وفتحتها على مهل، ثم بدأت تقرأ. وما إن وصلت إلى السطور الموالية حتى امتلأت عيناها بالدموع. عاصم، زوجها، يخبرها أنه سيعود بعد أسبوع، بعد غياب طال انتظاره.
رفعت أمينة رأسها إلى السماء وقالت بصوت خافت، الحمد لله.
أما بسام، فما إن سمع خبر عودة أبيه حتى امتلأ قلبه فرحا لا يكاد يسعه. ومنذ ذلك اليوم بات لا يكف عن سؤال أمه، متى سيعود أبي. فتجيبه أمينة بابتسامة هادئة تخفي تعبها
– قريبا يا بني قريبا.
كان يتخيل الهدايا التي سيجلبها له والده، أحيانا سيارة، وأخرى طائرة، ثم يبتسم ويقول في نفسه ربما قطارا.
عاصم كان فلاحا بسيطا يعتمد على زراعة البطاطس في قطعة أرض صغيرة قرب القرية. تزوج أمينة، جارته التي أحبها منذ الطفولة، وعاشا حياة هادئة.
وفي يوم رحيله، عانق ابنه بسام، وكان عمره اثني عشر عاما، وقبل جبينه قائلا عندما أعود سأجلب لك أجمل هدية. ومنذ ذلك اليوم غاب، وبقي الانتظار يملأ البيت يوما بعد يوم.
في الغربة عمل عاصم سائقا في شركة مقاولات. كان يرسل ما تيسر من المال لزوجته كلما سنحت الفرصة. لكن القدر كان يخبئ له ما لم يكن في الحسبان.
في أحد أيام إجازته، خرج مع أول خيوط الصباح نحو ريف المدينة بحثا عن لحظة هدوء. استقل سيارة أجرة مع عدد من المسافرين، وما إن اقتربوا من مدخل القرية حتى انفجر إطار السيارة فانحرفت واصطدمت بحائط إسمنتي. كان عاصم في مؤخرة الركاب، ارتطم رأسه بقوة وفقد وعيه، نقل إلى المستوصف حيث بقي في غيبوبة يومين.
حينما استفاق وجد نفسه في مكان غريب ووجوه لا يعرفها، ضاعت أوراقه الشخصية. لا يذكر شيئا على الإطلاق.
خرج تائها يجوب المكان. اقترب منه رجل مسن تبدو على ملامحه الطيبة، سأله من أنت يا بني. فأجاب بحيرة، لا أدري، يبدو أنني فقدت الذاكرة في حادث سير حسب الطبيب.
اشفق عليه الرجل وقال، تعال معي، سأسند لك مهمة رعي ماشيتي، وأدفع لك راتبا مقابل عملك، وسأتابع علاجك حتى تستعيد ذاكرتك.
قبل عاصم وبدأ حياة جديدة بعيدة عن ماضيه، بينما بقيت زوجته وابنه يعانيان ألم الغياب.
مرت سنوات، وعاصم يرعى الماشية ويتردد على الطبيب، إلى أن جاء يوم غير مجرى حياته.
بينما كان يقود قطيعه قرب الطريق العام، اندفعت سيارة مسرعة فقد سائقها السيطرة عليها فانحرفت عن الطريق وانقلبت في الوادي، ولقي من كان بداخلها مصرعهم. وقف عاصم مذهولا ثم صرخ صرخة مدوية سقط بعدها مغشيا عليه. تجمع الناس حول الحادثة وتبينوا حالة الراعي على الأرض ملقى بلا حراك.
أسرع أحدهم برش الماء على وجهه، وربت على صدره يتحسس نفسه ونبضه، وفجأة استفاق مذهولا. كانت أول صورة في مخيلته تعكس عناقه لابنه وهو يغادر بيته، ووجه أمينة تغمره الدموع على الفراق.
شكر عاصم الرجل الذي رعاه طوال السنين الماضية، وطلب منه السماح له بالعودة إلى بلده لرؤية زوجته وابنه. فاشترط عليه الرجل أن يعود بهما ليعيشا معه، فوافق عاصم وودعه، ثم اتجه نحو المدينة، جهز نفسه للسفر واشترى الهدايا، ومن بينها لعبة قطار لابنه بسام.
طريق العودة لم يكن كما توقع. فقد طلب منه أحدهم إيصال كيس صغير إلى أحد أصدقائه في سوق القرية، لكن عند نقطة التفتيش تبين أن الكيس يحتوي على مواد ممنوعة.
اعتقل عاصم وصدر بحقه حكم بالسجن لست سنوات لأنه لم يعط الأدلة الكافية لتبرئته.
في القرية كانت أمينة تنتظر عودته دون علم بما حدث له، بينما يشتد بها المرض يوما بعد يوم. وكلما سألها بسام عن أبيه قالت بابتسامة خافتة سيعود.
أما بسام فكان يقف كل مساء عند مدخل القرية يراقب السيارات القادمة من المدينة، ويجري كلما ظن أن واحدة منها تحمل والده.
في صباح حزين، سمع أهل القرية يقولون إن عاصم سجن عند الحدود. ركض بسام نحو البيت صارخا، يا أمي لقد سجنوا أبي.
دخل فوجد أمه ساكنة في فراشها لا تتحرك. ناداها وهزها، لكن لم يكن هناك جواب. كانت قد رحلت.
في يوم واحد انطفأ البيت كله.
تولى أهل القرية تدابير الجنازة، ثم قرروا إرسال بسام إلى دار أيتام في المدينة لعدم وجود من يعيله.
في الدار عاش أياما قاسية. في إحدى الليالي قرر بسام أن يهرب من ملجأ الأيتام والتخلي عن الدراسة.
خرج إلى شوارع المدينة وحيدا، ينام حيث يجد مكانا ويأكل ما يتيسر له، حتى صادفه رجل في منتصف عقده السادس، يرتدي بدلة رسمية ويقود سيارة فارهة. فسأل سائقه، من يكون ذاك الشاب، وأشار إليه، اذهب واحضره.
أخذه السائق وفتح له الباب، ادخل. دخل بسام بخوف، فقال الرجل، لا تخف يا بني، هل أنت جائع.
رد بسام، نعم.
اشترى له الأكل ثم ملابس، وبعدها اصطحبه إلى الفيلا.
في الصالة قال الرجل الستيني ردفان، اعتبرني مثل والدك وهذه الفيلا بيتك.
شكره بسام بخجل، ثم سأله ردفان عن قصته، فحكى ما مر به بصوت مثقل بالألم.
قال ردفان، أنت في أمان، انس الماضي وابدأ من جديد، ثم أمر بتجهيز غرفة له.
دخل بسام مذهولا غير مصدق ما يحدث، ثم تذكر أمه ومعاناتها.
مرت الأيام وبدأ يشعر بالأمان، حتى سمع ردفان يقول في أحد الصباحات عبر الهاتف، إن لم تسدد خلال يومين سأقتلك.
ارتجف بسام، فواجهه ردفان قائلا، هل سمعت.
ثم قال، أنا ردفان السليمي من كبار تجار السوق السوداء، ومن يتأخر أجبره بالقوة، سأجعلك معي وتكون يدي اليمنى.
ومنذ ذلك اليوم بدأ يغرس فيه القسوة حتى تشكلت شخصيته، خاصة مع ما كان يحمله من جراح طفولته.
ومع مرور السنوات أصبح بسام قاسيا، يرافق ردفان ويجمع الأموال بالقوة.
مضت سنوات ثقيلة، وفي الجهة الأخرى خرج عاصم من السجن رجلا منهكا، ليجد أن زوجته ماتت وابنه ضاع بين الدار والمدينة.
ظل يبحث عنه حتى وصل إلى بيت ردفان. وقف عند الباب، ثم وصلت سيارة ونزل منها شاب قاسي الملامح.
قال عاصم، بسام. نظر إليه الشاب، من أنت.
قال، أنا أبوك. صمت طويل.
قال بسام، أبي مات، ودخل وأغلق الباب.
بقي عاصم واقفا كأن الحياة توقفت عنده.
وفي ليلة كان فيها بسام وحيدا سمع في داخله صوتا قديما، ثم غلبه النوم، فرأى أمه تقول له، ارجع إلى والدك لقد عانى كثيرا وهو بحاجة إليك.
وفي الصباح ترك بيت ردفان وعاد إلى القرية.
دخل البيت القديم فسمع صوت أبيه يتلو القرآن. طرق الباب ففتح عاصم.
نظر كل منهما إلى الآخر طويلا.
قال بسام، سامحني.
لم يجب عاصم، بل احتضنه وبكى.
ثم أخرج لعبة القطار وقال، هذه لك لكن تأخر الطريق.
أخذها بسام وهو يبكي. وفي تلك اللحظة لم يعد الماضي سوى شيء نجا منه الاثنان.
عادا معا إلى الحياة، وعمل بسام مع أبيه في الأرض، ثم تزوج ورزق ببنت أسماها أمينة. وكان كلما نظر إليها أيقن أن الإنسان قد يضل الطريق لكنه لا يفقده إلى الأبد.
