قصة قصيرة جديدة :للكاتب المغربي منير لكماني

قصة قصيرة جديدة :للكاتب المغربي منير لكماني

ضمير الغائب

كان المساء ينسحب من هامبورغ على مهل، كأن المدينة تخلع معطفها الرمادي وتعلقه على كتف الغيم. وحين تحرك القطار السريع، لم يبد آلة ذاهبة إلى دويسبورغ، بل نصلا طويلا يشق جسد الشمال، ويترك خلفه بيوتا تتراجع، ومصابيح ترتجف، وأشجارا عارية تلوح بأذرعها كمن يودع ولا ينتظر جوابا.

خلف الزجاج، كانت الحقول المبللة تمتد مثل صفحات طمست كتابتها بالمطر، والقرى الصغيرة تلمع ثم تختفي، كأنها ذكريات لا تريد أن تمسك. في العربة كان الدفء مصطنعا، والرائحة خليطا من قهوة باردة، ومعاطف رطبة، وصمت مسافرين جمعهم الطريق ولم يؤلف بينهم.

كنا أربعة حول طاولة ضيقة.

أمامي جلست عجوز جاوزت السبعين، تضم حقيبة جلدية إلى صدرها كأنها آخر ما بقي لها من بيت بعيد. كانت يداها نحيلتين، وعروقهما الزرقاء تشبه مجاري أنهار نضب عنها الماء وبقي رسمها. أما عيناها فلم تكونا فضوليتين، بل عميقتين؛ فيهما حكمة من تعب من سؤال الناس عن أسرارهم.

إلى جواري جلست فتاة في الثالثة والعشرين تقريبا. كان في وجهها صفاء هش، لا يطمئنك بقدر ما يخيفك عليه. أصابعها مشدودة حول حقيبة صغيرة في حجرها، كأنها تمسك طرف حكاية تخشى أن تسقط منها. وبجانبها جلس أبوها.

لم أسمع أحدا يقول ذلك، غير أن القرابة أحيانا لا تحتاج إلى شاهد. تعرف من إلتفاتة ناقصة، ومن خوف يسبق السؤال، ومن عناية مرتبكة لا يبذلها الغريب للغريب. كانت تميل نحوه قليلا ثم تعود، كأن بينها وبينه نارا صغيرة؛ تريد أن تدفأ بها، وتخشى أن تراها العيون.

كان في الخمسين أو بعدها بقليل. يرتدي معطفا داكنا، وشالا رماديا، وحذاء نظيفا، وعلى شفتيه أثر هادئ من حمرة لم تبد زينة بقدر ما بدت محاولة لتثبيت إرتجافة. لم يكن صاخبا ولا متحديا؛ كان كمن خرج إلى صورته بعد عمر طويل، ثم وجد العالم أضيق من المرآة.

قالت العجوز، وهي لا تنظر إلى أحد بعينه:

“غريب أمر الناس؛ يرون الثوب ولا يرون القلب.”

إنكمش كتفا الفتاة. أما هو فظل ينظر إلى سطح الطاولة، حيث إنعكس وجهه كقمر مكسور في ماء أسود.

قالت الفتاة، دون أن تلتفت إليه تماما:

“هل… التذكرة معك؟”

توقفت بعد “هل”، ثم دفعت بقية الجملة بلا إسم.

لم تقل: أبي.
ولم تقل إسمه.

لم يكن ذلك جفاء، بل حيرة حب. إن قالت: أبي، خافت أن تعيده إلى صورة قديمة ربما أتعبته. وإن نادته بإسمه، خافت أن تنزله من مقامه في قلبها. بقي النداء عالقا بين شفتيها، كطائر يرى نافذتين ولا يعرف أيهما سماء.

رفع رأسه وإبتسم إبتسامة صغيرة؛ إبتسامة من فهم عجزها ورفق به.

قال: “معي. لا تقلقي.”

أخرجت العجوز من حقيبتها قطعتي حلوى، ناولت الفتاة واحدة، ووضعت الأخرى أمامه.

قالت: “خذوا. الطريق طويل.”

شكرها بهدوء، وأخذ الحلوى كمن يأخذ شيئا بسيطا كي لا تنكسر يد مدته.

بعد قليل سألت الفتاة:

“هل الجو بارد عليك؟”

قالت “عليك” بلا تذكير ولا تأنيث؛ كلمة رمادية مثل المساء خلف النافذة. لم تكن تهرب منه، بل تخشى أن تخطئ في إحترامه. كان الضمير عند فمها طفلا ضائعا لا يعرف أي يد يمسك.

قال هو:

“لا. أنا بخير.”

لكن يده كانت ترتجف فوق الحقيبة. لم تكن رجفة برد؛ فالبرد صريح. كانت رجفة إنسان طال به الوقوف على عتبة نفسه.

مر موظف القطار وطلب التذاكر. ناولته الفتاة هاتفها ثم هاتفه بسرعة تشبه الدفاع. نظر الموظف إلى الشاشة، ثم إلى الوجه، ثم مضى بإبتسامة مبهمة لا تدان، لكنها تؤذي. خفض الأب وجهه، كمن يعرف كيف يترك الإهانات الصغيرة تمر كي لا تكبر.

قالت العجوز بالألمانية، في هدوء قاطع:

“التذاكر صحيحة. والوجوه لا تفتش.”

سكتت العربة. حتى الحديد بدا منصتا.

مد الأب يده تحت الطاولة، ولمس طرف كم إبنته. لم يمسكها، لم يطلب منها بطولة، ولم يقل: ناديني. كانت لمسته تقول: أعرف أنك عالقة بين قلبي وإسمي، ولا ألومك.

بقيت الفتاة جامدة لحظة، ثم أنزلت يدها ووضعتها فوق يده. يد صغيرة فوق تعب كبير.

همست العجوز:

“اليد تعرف ما تعجز عنه الأسماء.”

عند إقتراب دويسبورغ، جمعت الفتاة حقيبتها، ثم توقفت. رأيت حلقها يعلو ويهبط، وكان أبوها يتظاهر بأنه لا ينتظر.

قالت أخيرا:

“بابا… هل ننزل من هذا الجانب؟”

كانت الكلمة خافتة، لكنها أدفأت العربة كلها. لم تكن رجوعا إلى صورة قديمة، ولا إنكارا لصورته الجديدة؛ كانت القلب ينادي القلب.

رفع وجهه كمن عاد من بحر بعيد.

قال: “نعم. من هذا الجانب.”

وحين إنفتح الباب، خرجا معا؛ لا أمامه ولا خلفه، بل إلى جواره. وفي دويسبورغ، قبل أن يبتلعهما الرصيف، بدا لي أن الفتاة لم تمنحه إسما، بل أعادته إلى مكانه: أبا لا يحتاج إلى ضمير كي يكون أبا.

ألمانيا، 04/05/26

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *