قصة قصيرة للأديب المغربي منير لكماني

“سوق الأضاحي في زمن الخوارزميات”
كان الصباح يخطو إلى العيد متثاقلا، حين إنكشف السوق عند طرف المدينة كجرح واسع في خاصرتها. لا أرضه أرض فلاحين فتستريح إلى البذر والمطر، ولا ممراته شوارع مدينة فتخضع للنظام والحجر. بين الحبال والأوتاد قامت مملكة عابرة من الصوف والغبار والصياح؛ أكباش مشدودة إلى مصائرها، وباعة يرفعون أصواتهم فوق شكوك الزبائن، ونساء يفتشن في العيون والظهور، وأطفال يركضون بين القوائم كأنهم يطاردون فرحا لا يعرفون ثمنه.
دخلت بلا نية شراء. كان جيبي خفيفا، وخفة الجيب تجعل النظر حادا. من لا يملك الثمن يرى أكثر ممن يساوم. كنت أعبر الحظائر على مهل، لا أفتش عن كبش أجره إلى البيت، بل عن الإنسان حين يجره العيد إلى صورته العارية؛ هناك حيث ينقص الصوت بقدر ما ينقص المال، ويعلو الحلف بقدر ما تضعف الحجة، وتصبح كل مساومة إعترافا صغيرا بما نحاول إخفاءه عن الجار والطفل والمرآة.
في قلب الممر، حيث يضيق السوق حتى تتلامس الأكتاف والقرون، كان بائع جبلي قد فرش صمته قبل أكباشه. وجهه مسفوع بريح الأعالي، وعيناه ضيقتان لا تفصحان عن شيء، كأنهما بابان موصدان على حساب طويل. وإلى جانبه كبش أبيض، كثيف الصوف، منتصب في وقار مصطنع؛ لا يدري الناظر أهو ممتلئ حقا، أم أن الصوف قام مقام اللحم، كما تقوم الهيبة أحيانا مقام القيمة.
وكان إلى جواره رجل من أهل المكاتب، تعرفه من حذائه النظيف الذي أخطأ الطريق، ومن يده التي لا تعرف كيف تمسك قرنا ولا كيف تفلت ورقة نقدية. بجانبه زوجته، دقيقة الملامح، مشدودة النظرة، تحمل هاتفا حديثا كأنه خاتم سلطة.
لم يتكلم الرجل أولا. تكلمت هي بعينيها. طافت حول الكبش دورة بطيئة، ثم رفعت الهاتف وصورته من الوجه والخاصرة والقرنين، حتى بدا الحيوان كأنه متهم في ملف قضائي. لم تكن تسأل البائع، ولا تثق بزوجها، ولا تستفتي ذاكرتها. كانت قد نقلت المسألة كلها إلى جهة أعلى: إلى آلة باردة في مكان لا رائحة فيه.
فتحت تطبيقا، ورفعت الصورة، وكتبت بأصابع جادة:
“حدد الفصيلة والطسيلة والعمر التقريبي والوزن وحالة الأضحية.”
لم يمد البائع يده، ولم يسحب الكبش إليه كما يفعل عند المساومة؛ ظل ينظر إلى الهاتف نظرة رجل رأى دكانه القديم يفتح له بابا لا يعرف مفتاحه. لقد كان السوق مملكته الصغيرة: يعرف متى يرفع صوته، ومتى يخفضه، ومتى يطلق يمينا فتستقيم الصفقة على خوف الزبون. غير أن هذا الزائر الزجاجي لم يكن يصغي إلى الحلفان، ولا تروضه نبرة البائع، ولا يربكه لمعان الورق. كان حكما باردا، لا أنف له يشم الزريبة، ولا يد له تتحسس الظهر، ومع ذلك جلس بينهما كخبير لا يعتذر عن جهله.
خرج الجواب بعد ثوان:
“الصورة تشير إلى كبش ذي هيئة جيدة. يلزم فحص الأسنان والظهر والقوائم، ولا يمكن الجزم من الصورة وحدها.”
رفعت المرأة وجهها عن الشاشة وفي عينيها اطمئنان من إستدعى شاهدا لا يستمال، لا يعرف البائع ولا تهمه الصفقة. أما الزوج، فوجد في تردد الآلة فسحة صغيرة يتنفس منها، وقال وقد إرتفع صوته مقدار ما تسمح به هيبة زوجته:
“حتى هذا الذي لا يعرفك… لم يطمئن إليك.
مال البائع برأسه نحو الشاشة، لا فضولا بل حذرا، كمن يسمع غريبا يتكلم في نسب عائلته. ضاقت عيناه، وإنكمش فمه، ثم قال وهو يربت على عنق الكبش:
“قولوا لهذا العقل المعلق في الزجاج إن للماشية رائحة لا تدخل في الصورة، وإن السن لا يبوح كله للضوء، وإن الظهر لا يقرأ من زاوية واحدة. هذا الكبش عرف البرد، ومشى في الحصى، وأكل من يد الفجر قبل أن يستيقظ أصحاب التطبيقات. فمن علم الآلة أن تفصل في دمه ولحمه وهي لم تسمع ثغاءه إلا مكتوبا؟”
قالت المرأة:
“العلم تطور.”
قال البائع:
“والخديعة أيضا تطورت.”
لم يضحك أحد. كان الكلام قد أصاب شيئا في السوق كله.
واصلت طريقي. رأيت رجلا يفتح فم كبش بثقة طبيب، ثم يسأل صاحبه خفية:
“كم سنا يجب أن تكون؟”
ورأيت إمرأة عجوزا ترفض ثلاثة أكباش لأنها، كما قالت، “لا تدخل القلب”، كأنها تختار زوجا لبنتها لا أضحية للعيد. ورأيت طفلا يصر على كبش أسود ضخم، وأباه يحاول أن يقوده إلى آخر أصغر. كان الأب يبتسم لإبنه إبتسامة متعبة، تلك الإبتسامة التي يضعها الفقير بين رغبته وعجزه، حتى لا يسمع الطفل صوت الإنكسار.
قال الطفل:
“أريد الكبير.”
لم يجب الأب. إنحنى صمته على جيبه، وغابت أصابعه في القماش طويلا، كأنها تنقب في قاع شهر كامل لا في جيب رجل واحد. كان الطفل يراقبه بعينين واسعتين، وكانت تلك العينان أثقل من الثمن. وحين عادت اليد إلى الهواء، عادت خالية إلا من ارتباكها. عندئذ بدا الكبش أقل غلاء من اللحظة نفسها؛ فالمال حين يعجز لا يفضح الجيب وحده، بل يفضح القلب أمام من يحب.
عند حافة السوق إنشق الضجيج عن صيحة حادة. كان رجل قابضا على ياقة شاب هزيل، يلوح به كما يلوح صاحب حق بوثيقته الأخيرة. لم يحتج الناس إلى برهان؛ فالزحام، متى ولدت فيه تهمة، صار قاضيا وجلادا ومتفرجا في آن واحد. كان الشاب واقفا بعظم ظاهر ووجه خال من الحيلة، وعينين لا تشبهان عيني لص، بل عيني من طال وقوفه أمام أبواب مغلقة. تمتم بأنه لم يفعل، غير أن الهمس في السوق لا يبلغ الحقيقة؛ يضيع بين الأكتاف والروائح والأصوات.
وشقت إمرأة تبيع الخبز الحلقة بجسدها المتعب، والسلة تهتز على خاصرتها، ثم نظرت إلى الشاب نظرة من خبرت الجوع في الوجوه، وقالت للرجل:
“خل سبيله؛ فاليد التي تسرق لا تترك في العينين كل هذا الإنكسار.”
ارتخت القبضة، وتراجع الفضوليون خطوة كمن فاته مشهد كان ينتظره. مضى الشاب مطأطئ الرأس، لا يحمل براءة كاملة ولا عارا مؤكدا؛ كان يحمل فقط نجاة صغيرة، تكفيه ليغيب بين الحبال والصوف.
خرجت من السوق قبيل الظهر. كان الغبار قد علق بالأحذية والوجوه والكلمات. خلفي ظل الباعة يحلفون، والنساء يصورن، والرجال يساومون، والأطفال يختارون ما لا يدفعون ثمنه. رن هاتفي. رسالة من صديق:
“هل إشتريت الكبش؟”
نظرت إلى يدي الفارغة، ثم إلى السوق الممتلئ بالخوف والمباهاة والذكاء الإصطناعي والغباء الطبيعي. كتبت:
“لم أشتر شيئا.”
ثم محوتها وكتبت:
“لم أشتر شيئا. خرجت فقط من السوق وأنا أعرف أن الأضحية لم تكن دائما هي المربوطة إلى الوتد.”
20/05/2026 – ألمانيا
