احتفاء باليوم العالمي للراديو (المذياع)
بهاء الأثير: تحية إلى الصوت الذي لا يشيخ..

لم يكن الراديو يوما مجرد جهاز قديم يوضع في زاوية البيت، بل كان نافذة واسعة على العالم، وصوتا أول دخل الوجدان الجمعي للناس قبل أن تدخل الصور حياتهم. في زمن كانت فيه الطرق طويلة، والكتب نادرة، ووسائل المعرفة محدودة، تسلل هذا الصندوق الصغير إلى بيوت الفقراء والأغنياء معا، حاملا الأخبار والأغاني والحكايات. كان حضوره أشبه بضيف دائم لا يرى، لكنه يؤنس المجالس ويمنح العزلة معنى أخف. تخيل عائلة في قرية بعيدة تترقب نشرة الأخبار، فتسكن الأحاديث، ويقترب الصغار من الجهاز في صمت مهيب. من تلك اللحظات الصغيرة بدأت الحكاية الكبرى: حكاية صوت صار رفيقا يوميا، وجسرا خفيا بين الإنسان والعالم.
الإذاعة بوصفها جسرا ثقافيا
تكمن عبقرية الراديو في بساطته الآسرة. فهو لا يحتاج إلى شاشة براقة ولا إلى مؤثرات بصرية كي يبلغ أثره، بل يكتفي بصوت صادق يطرق الأذن ويوقظ الخيال. ومن هنا جاءت فرادته؛ إذ وصل إلى الأميين قبل المتعلمين، وإلى القرى قبل المدن، وإلى القلوب قبل أن تحتكم إليه التحليلات. حمل اللغة إلى من لم يقرأ، وعرف المستمعين بأخبار العالم، ونقل إليهم الشعر والموسيقى والتمثيليات والبرامج الثقافية، فكأنما كان مدرسة مفتوحة بلا جدران. لقد أدى الراديو دورا ثقافيا بالغ الأهمية، ليس فقط لأنه بث المعرفة، بل لأنه جعل المعرفة قريبة وممكنة ومحببة. وبفضله، نشأت صلة حميمة بين المستمع والكلمة المسموعة، وهي صلة صنعت ذائقة عامة ووسعت أفقا إنسانيا لدى أجيال كاملة.
ذاكرة تسمع ولا ترى
حين نتأمل تاريخ الإذاعة، ندرك أنها لم تكن وسيلة لنقل الخبر فحسب، بل وعاء لحفظ الذاكرة العامة. كان المذيع، بصوته الموزون ونبرته الواثقة، أشبه بمرجع يومي يبعث الطمأنينة. عند الأزمات، كان الناس يلتفون حول الراديو طلبا لخبر يبدد القلق، وعند الفرح كانوا يبحثون فيه عما يضاعف بهجتهم. هكذا تحول إلى سجل شفهي لنبض المجتمع: مخاوفه وآماله، انتصاراته وانكساراته، وأناشيده وأغانيه ولهجته اليومية. وفي القرى والأحياء الشعبية، لم يكن الإستماع إلى الراديو عادة فردية دائما، بل كان طقسا جماعيا تتوزع فيه المشاعر والدهشة والتعليقات. لذلك بقيت الإذاعة جزءا من ذاكرة الأمة المسموعة، لا لأنها وثقت اللحظة فقط، بل لأنها منحتها نبرة وصوتا ووقعا لا يزول بسهولة من الوجدان.
سحر الصوت وبلاغة الغياب
ما الذي يجعل الراديو حيا، رغم هذا السيل الجارف من الصور والشاشات؟ لعل الجواب يكمن في أن الصوت، وحده، يترك للخيال مساحته الحرة. فالصورة تقدم العالم مكتملا، بينما يدعو الصوت المستمع إلى أن يشارك في صنع المشهد. من نبرة المذيع وحدها تبنى ملامح الأمكنة، وتتشكل وجوه الشخصيات، وتنبثق العاطفة خالصة من أي زينة. لهذا ظل الراديو أكثر الوسائط قدرة على خلق ألفة هادئة بينه وبين مستمعه. إنه لا يفرض حضوره، بل يتسلل برفق إلى الحياة اليومية: في السيارة، في الحقل، في المطبخ، في لحظات العمل والوحدة والسفر. وفي عصر يزداد صخبا كل يوم، يبدو الراديو كأنه يذكرنا بقيمة الإصغاء، لا بوصفه مهارة فقط، بل بوصفه شكلا من أشكال الإنسانية.
الإذاعة في عالم يتغير
لم تنه التكنولوجيا عصر الراديو، بل دفعت به إلى أشكال جديدة من الحضور. فاليوم، لم يعد الصوت الإذاعي حبيس الموجات التقليدية، بل صار يعبر الإنترنت، ويصل إلى المهاجرين في أقاصي الأرض، ويرافق المجتمعات في أوقات الكوارث حين تتعثر الوسائط الأخرى. لقد تغيرت المنصات، لكن الحاجة إلى صوت موثوق، بسيط، وقريب، لم تتغير. وما يزال الراديو قادرا على أداء أدواره الأساسية: الإعلام، والتثقيف، والترفيه، والخدمة العامة. ولهذا فإن الاحتفاء به لا يبدو حنينا إلى زمن مضى بقدر ما يبدو إعترافا بقيمة مستمرة.
الإحتفاء بالصوت
إن الاحتفال بالراديو ليس تكريما لذكرى عابرة، بل احتفاء بفكرة إنسانية عميقة: أن الكلمة المسموعة قادرة على الجمع، وأن الإصغاء يمكن أن يكون رابطا بين البشر. لقد علمنا الراديو أن الصوت قد يصنع وطنا معنويا مؤقتا، يلتقي فيه المختلفون حول خبر أو أغنية أو لحظة إنتظار مشتركة. ومن هنا يبقى الراديو أكثر من وسيط إعلامي؛ إنه أثر ثقافي وحميمي، ما زال يذكرنا بأن بعض الأصوات لا تشيخ، لأنها سكنت القلب قبل الأذن.
01/04/26 ألمانيا
