كتابات مستوحاة من أيام الطفولة
خيمة الحلاق

يوم السوق، في طفولتنا، موعد مشوب بالشوق والحذر، ومناسبة تتجاذبها في نفوسنا رغبة التجدد وخشية العاقبة. والانتظار له إنتظار صبيان يعرفون ما في الحلاقة من خفة محببة، وما في يد الحلاق من مفاجأة لا يوثق بها كل الوثوق. فالحلاقة وعد بالانتعاش بعد غبار الأيام، غير أنها كذلك مغامرة صغيرة، قد ترد إلى الرأس نظامه، وقد تترك فيه أثرا لا تستره زينة ولا يصلحه دهن.
والحلاق عندنا ليس مجرد رجل يمر بالمقص على الشعر ثم يمضي، بل هو صاحب أثر نافذ في الهيئة، قادر في دقائق معدودات على أن يرفع الصبي في عين نفسه، أو يسلمه إلى ضيق خفي لا يبرأ سريعا. وهيئته في أنظارنا هيئة من بيده شيء من الفصل، ويده يد لا تخلو من حسم، وعينه عين تقدر وتفحص قبل أن تقدم. وإقباله على هاماتنا إقبال الفلاح على زرعه ساعة الحصاد؛ فيه تأمل، وفيه تقدير، وفيه قسوة مستترة، كأن الأمر عنده أقطع من حلاقة وأمضى من تهذيب، وكأنه فصل يقضى، لا شعر يقص.
كنا نخرج من تحت خيمته بخفة غريبة، كأن رؤوسنا قد تخلصت دفعة واحدة من غبار فصل كامل، وكأن المقص لم يكن يجز الشعر فقط، بل كان يقتطع منا شيئا من وعثاء الأيام، ويفرغ من هاماتنا تعب الحقول والطرقات والريح. لكن البلاء، في الحقيقة، لم يكن يبدأ هناك؛ بل كان يبدأ عند البيت، عند العتبة الأولى، حيث تنتظرنا أمنا خديجة، جالسة في مهابة لا تخلو من حنان، وفي حنان لا يخلو من صرامة، بعينين لو أسند إليهما ميزان العدالة لاستقام. لم تكن لتفوتها شعرة شاردة، ولا لطخة خلل، ولا موضع تقصير اختبأ تحت دهن معطر أو أثر مشط.
كانت تدنينا منها كما يدني القاضي شاهده الأخير، ثم ترفع الرأس قليلا، وتتأمل ما جرى عليه تأملا طويلا، قبل أن تقول بصوت يختلط فيه الفحص بالعتاب:
– تعال يا ولدي، ادن مني… دعني أر: أأحسن الرجل الحصيدة، أم موه عواره بالدهن المعطر والرائحة الزكية؟
وعندها كنا نهبط بأبصارنا إلى الأرض، ونلوذ بصمت صغير مرتبك، ونتحصن بابتسامة واهنة لا تدفع خوفا ولا تستر يقينا. كنا نعرف أن زواق الحلاق لا ينطلي عليها، وأن دعاءه المكرور بعد الفراغ من الحلاقة: “الله يخلف”، لم يكن في أكثر الأحيان إلا ستارا لفظيا رقيقا يرخيه على ما عجزت عنه يداه. كان يترك على الرؤوس آثار التسرع كما تترك الريح على التراب خطوطها المرتبكة، ثم يظن أن رائحة زكية كافية لتصلح ما أفسده المقص.
ولم تكن أمنا تريد من الحلاقة نظافة عابرة، ولا مظهرا يرضى به الناس في الطريق؛ كانت تريد إتقانا يمحو أثر الفوضى من أصلها، ويبلغ بالرأس حد الحصيدة الناضجة التي لا تبن فيها ولا خلل. كان الرأس، في نظرها، حقلا صغيرا؛ وكان المقص منجلا؛ وكانت يد الحلاق موسما كاملا من الخصب أو الخيبة. لذلك كنا نتردد طويلا قبل دخول الخيمة، نرقبها من بعيد كما يرقب المحارب وجه الريح، ويقرأ في ارتجافها نذر الهجوم أو بشائر السلامة.
وفي السوق، كنا نساوم الحلاقين مساومة من تعلم باكرا أن الدرهم لا يدفع بسهولة، وأن القليل الذي ينجو من اليد قد يكون نجاة ليوم آخر. من أربعة دراهم كنا نحتال لنوفر درهما واحدا، نشتري به فخا، أو حفنة من “الشريحة”، أو نؤجله لفرح صغير لا موعد له. وربما قصدنا حلاقا على هامش السوق، رجلا تقيم المهنة في إسمه أكثر مما تقيم في عدته، لا يملك من أدواتها إلا مقصا صدئا، ومرآةً خافتة، ورضا واسعا بالقليل، فيقبل ببيضة أو بيضتين أجرا. لم يكن ذلك من البخل في شيء، بل من التربية العميقة التي تنشأ في بيوت الندرة؛ حيث يصير التدبير غريزة، والإقتصاد فطنة، ويغدو حسن التصرف ثروة لا تقل شأنا عن المال نفسه.
كبرنا ونحن نحسب كل نقرة على الرأس كأنها جزء مستقطع من لحم النقود، ونفرح إذا بقي في الجيب ذلك القرص الأصفر الصغير، يلمع في راحة اليد لمعان نجاة مؤجلة. لم تكن لنا رفاهة الهدر، ولم نكن من أبناء السعة الذين يبددون أشياءهم كما يبددون أوقاتهم؛ كنا أبناء الضرورة، وتلامذة القلة، وأهل خبرة مبكرة في تحويل الشحيح إلى كفاية، والكفاية إلى نعمة. نقتصد في كل شيء: في الحركة، وفي الرغبة، وفي اللقمة، وفي الأمنيات نفسها، كما يقتصد البدوي في ظله حين تشتد الشمس، فيحسب للفيء حساب الماء.
ثم مضت الأيام، وانتقلت إلى المدينة، وظننت أن ترابها الجديد سيغسل عن روحي ما علق بها من خشونة البدايات، وأن الزحام سيبتلع تلك الحساسيات القديمة، ويطمرها تحت إسفلت العيش السريع. غير أنني وجدت هناك، في الأزقة البعيدة والوجوه الغريبة، مرايا أخرى لطفولتي: رجالا يروون الحكاية نفسها، وأبناء يعرفون جيدا معنى أن يعود الواحد منهم من عند الحلاق ليقف موقف المتهم بين يدي أمه، وأن يخضع رأسه الصغير لمحكمة منزلية لا تعرف المجاملة. يومها ضحكت، ثم أدركت أن الندرة التي أرهقت طفولتنا لم تكن لعنة خالصة، بل كانت، في خفائها العجيب، مدرسة كاملة. علمتنا أن نكون يقظين، وأن نأخذ الحياة على محمل المسؤولية، وأن نصنع من القليل معنى، ومن الفتات وليمة، ومن النقصان تمرينا نبيلا على الإكتفاء.
ومنذ ذلك الحين، صرتُ أفهم حكمة البدو القديمة فهم من جربها في الخبز والملح والجيوب الخفيفة والرؤوس الخارجة من تحت مقص الحلاق:
“اللهم عضة في الفكرون، ولا يضيع الفالت.”
وحين نأكل البطيخ، تعود تلك الحكمة لتجلس بيننا، حية كأنها ولدت لتوها. نأخذ السكين، ونرهفها للقشرة، ونمضي في التقشير حتى تغدو رقيقة شفافة، كأنها خيط ضوء تمسكه الأصابع على حذر. ثم نضحك، لا لأن الأمر طريف فحسب، بل لأن في هذا المشهد الصغير سيرة عالمٍ كامل: عالم كان الهدر فيه خطيئة، والإقتصاد فيه عقيدة، والفقر فيه سيدا صارما، نعم، لكنه كان أيضا معلما جليلا، يلقن أبناءه بصبر مر كيف يمكن لبيضة واحدة أن تسند يوما كاملا، وكيف يمكن للقليل، إذا أحسن تدبيره، أن يبدو في العين كثيرا، وفي الروح كافيا، وفي الذاكرة جميلا.
28/03/26 ألمانيا
