الساباطات المغربية..

الساباطات المغربية..

جسور فوق الأزقة وذاكرة حية للمدينة العتيقة

     منير لكماني

حين يتجول الزائر في المدن العتيقة المغربية، مثل فاس ومراكش وتطوان وسلا، يلفت انتباهه ذلك الإمتداد المعماري الذي يعبر فوق الأزقة الضيقة، فيربط بين بيتين متجاورين أو يشكل غرفة تعلو الممر. هذا العنصر يسمى الساباط، وهو من أبرز الشواهد على عبقرية العمارة المغربية التقليدية. فالساباط ليس مجرد بناء إضافي فوق الزقاق، بل هو جزء من رؤية عمرانية متكاملة استطاعت أن توفق بين الحاجة العملية والجمال الفني وروح العيش الجماعي. ومن خلاله تتجلى صورة المدينة المغربية القديمة بإعتبارها فضاء حيا تتداخل فيه البيوت والعلاقات الإنسانية والتقاليد الإجتماعية في شكل متناغم.

الساباطات: تعريف وأصول تاريخية

الساباط في الأصل فضاء مبني فوق الطريق الضيق بين منزلين، وقد يكون غرفة للسكن أو ممرا مغطى يحمي المارة من الشمس والمطر. ويرتبط ظهوره بتاريخ المدينة الإسلامية التي عرفت كثافة عمرانية دفعت السكان إلى البحث عن وسائل ذكية لإستغلال المجال المحدود. ومع انتقال التأثيرات المعمارية الإسلامية من المشرق والأندلس إلى المغرب، ترسخ حضور الساباطات في النسيج الحضري للمدن العتيقة، خاصة خلال عصور المرابطين والموحدين. وقد ساعدت هذه البنيات على توسيع الفضاء السكني من غير الإضرار بالتوازن العام للمدينة، فصارت جزءا من ملامحها المميزة، بل وعنصرا من عناصر شخصيتها الحضارية.

البعد المعماري: ذكاء في التصميم وجمال في التشكيل

تبرز الساباطات المغربية مهارة البناء التقليدي وقدرته على استثمار المواد المحلية بأسلوب يجمع بين الصلابة والمرونة. فهي تقوم غالبا على أقواس حجرية أو طينية تحمل الغرفة أو الممر فوق الزقاق، بينما يغطى الجزء العلوي بسقف خشبي أو بناء مدعم ينسجم مع شكل المنازل المجاورة. ولا يقتصر دورها على إضافة مساحة جديدة، بل تسهم أيضا في تنظيم الضوء والهواء داخل الأزقة، إذ تلطف حرارة الصيف وتوفر ظلا دائما للمارة. كما أن بعض الساباطات تندمج مع الزخارف التقليدية، مثل الجص المنقوش أو الخشب المصنوع بعناية، مما يمنحها بعدا جماليا واضحا. ومن هنا يمكن القول إن الساباط ليس مجرد حل هندسي، بل هو عمل معماري يعكس حسا فنيا راقيا وفهما عميقا لطبيعة المناخ المحلي.

البعد الإجتماعي: تجسيد لحسن الجوار

تكشف الساباطات عن جانب مهم من الثقافة الإجتماعية في المغرب التقليدي، إذ إن بناءها فوق زقاق مشترك لم يكن ممكنا إلا في ظل تفاهم بين الجيران واحترام متبادل للحقوق. ولذلك ارتبطت الساباطات بروح التعاون وحسن الجوار، وهما من القيم الأساسية التي قامت عليها الحياة داخل الأحياء القديمة. وقد كانت هذه البنيات تساعد الأسر على التوسع حين يزداد عدد أفرادها أو حين يتزوج أحد الأبناء، فتضاف غرفة جديدة فوق الزقاق بدل مغادرة البيت أو الحي. كما ساهمت الساباطات في حماية الخصوصية داخل المجتمع المحافظ، لأنها تحد من الانكشاف المباشر بين البيوت وتوفر فضاء أكثر أمنا وراحة للسكان، خاصة النساء والأطفال. وهكذا أصبح الساباط رمزا لعمران يخدم الإنسان ويحترم حاجاته الأسرية والإجتماعية.

البعد الإقتصادي: استغلال ذكي للمجال

من الناحية الإقتصادية، مثلت الساباطات حلا عمليا لمشكلة ضيق الأرض داخل المدن القديمة. فبدلا من شراء مساحة جديدة أو التوسع خارج الحي، أمكن استغلال الفضاء العمودي فوق الأزقة بطريقة بسيطة وأقل كلفة. وهذا ما ساعد الأسر المتوسطة والبسيطة على تحسين ظروف سكنها من غير أعباء كبيرة. كذلك لعبت الساباطات دورا غير مباشر في دعم الحياة الاقتصادية داخل المدينة، لأنها سمحت ببقاء السكان قريبين من الأسواق وورش الحرف والتجارة. وفي الزمن الحاضر، اكتسبت هذه البنيات قيمة جديدة من خلال السياحة الثقافية، إذ صارت جزءا من جاذبية المدن العتيقة وموردا مهما للذاكرة المعمارية التي يقصدها الزوار من داخل المغرب وخارجه.

تحديات الحاضر وأهمية الحفاظ

رغم ما تحمله الساباطات من قيمة تاريخية ومعمارية، فإنها تواجه اليوم تحديات متعددة، من أبرزها الإهمال والرطوبة وتقادم مواد البناء، إلى جانب التحولات العمرانية الحديثة التي تهدد إنسجام المدينة العتيقة. لذلك أصبح الحفاظ عليها ضرورة ثقافية وحضارية، لأنها لا تمثل حجارة قديمة فحسب، بل تختزن تجربة مجتمع كامل في السكن والتدبير والتعايش. إن ترميم الساباطات وصيانتها بأساليب علمية تحترم طابعها الأصلي يساهمان في حماية الذاكرة الجماعية وفي إحياء الحرف التقليدية المرتبطة بالبناء والترميم.

إن الساباطات المغربية أكثر من مجرد جسور تعلو الأزقة؛ إنها شواهد حية على براعة الإنسان المغربي في تنظيم المجال وبناء المدينة وفق حاجاته وقيمه. فقد جمعت بين المنفعة والجمال، وبين الخصوصية وروح الجماعة، وبين الإقتصاد في المساحة والغنى في الدلالة. ولهذا تظل الساباطات جزءا أصيلا من هوية المدينة العتيقة، وذاكرة معمارية تستحق أن تصان وتقدر بوصفها تراثا حيا يربط الماضي بالحاضر.

25/03/26 ألمانيا

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com