الأم: صانعة الوجود الإنساني

الأم: صانعة الوجود الإنساني

الأم محور الوجود الإنساني

        رشيدة مكلوف

في اليوم العالمي للأم، الذي تحتفل به معظم الدول العربية في الواحد والعشرين من شهر مارس، نقف وقفة تأمل أمام علاقة هي أقدس ما في الوجود الإنساني. العلاقة التي لا تشبهها علاقة، والتي تظل رغم كل شيء سراً من أسرار الحياة الكبرى.

لطالما كانت الأم محور الوجود الإنساني، رمزاً للحنان والتضحية، ومرجعاً للقيم التي تشكل الشخصية منذ الطفولة. هي المدرسة الأولى حيث يتعلم الإنسان معاني الحب والرحمة والأمل، وهي الملاذ الأول في لحظات الألم والاضطراب. هذه المكانة الفريدة لا تتجلى فقط في الحياة اليومية، بل نجد أصداءها العميقة في الأدب وعلم النفس، حيث تتحول الأم إلى أيقونة للحياة ذاتها، تتجاوز حدود الزمان والمكان.

في رواية “الأم لمكسيم غوركي، تتحول الشخصية البسيطة إلى رمز للوعي الإنساني والدفاع عن القيم، فتقول في لحظة من لحظاتها الخالدة: “إن قلب الأم يتسع لكل الألم، لكنه لا يتوقف عن الأمل”. بهذه الكلمات البسيطة في ظاهرها العميقة في جوهرها، يؤكد غوركي أن الأم ليست مجرد حاضنة للطفل، بل قوة أخلاقية واجتماعية كبرى، تشكل وعي الأبناء وترسخ فيهم القدرة على الصمود والحب بلا شروط. أما فيكتور هوغو، فقد اختزل مكانة الأم في عبارة وجيزة لكنها جامعة: “الأم هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة”.

وفي أدبنا العربي، نجد حضوراً عميقاً للأم. في ثلاثية نجيب محفوظ، تبرز شخصية “أمينة” كنموذج للأم الصابرة، تلك المرأة التي تعيش في ظل سلطة زوجها الصارمة، لكنها تبقى قلب الأسرة النابض بالحياة. إنها ليست شخصية هامشية، بل عمود البيت الذي لا يهتز. أما محمود درويش، فقد خلد أمه في أبيات تسكن الوجدان العربي: “أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي.. وتكبر في الطفولة يوماً على صدر يوم، وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي”.

أما في الأدب المغربي، فلا يمكن الحديث عن صورة الأم دون الوقوف عند رائعة أحمد الصفريويصندوق العجائب“. في هذا النص التأسيسي، يستعيد الصفريوي أيام طفولته في فاس القديمة، وتظهر شخصية الأم “لالة زبيدة” كمركز ثابت للوجود العائلي. هي التي تدبر شؤون البيت بحكمة، وتواجه تحديات الحياة اليومية بصبر لا ينفد. الأم في “صندوق العجائب” ليست مجرد شخصية عابرة، بل هي ذاكرة البيت وضميره الحي، وهي التي تجسّد بحضورها ما يمكن تسميته بالحضور الأنثوي المهيمن على تفاصيل الحياة المنزلية.

من منظور علم النفس، تمثل الأم الإطار الأول الذي يُبنى فيه شعور الطفل بالأمان والثقة بالعالم. حضورها أو غيابها يترك أثراً عميقاً في النفس، خصوصاً لدى الأبناء الذكور الذين تتشكل صورة العالم والمرأة لديهم من خلال علاقتهم بأمهاتهم. الابن الأكبر تحديداً، الذي يشعر بمسؤولية رمزية تجاه الأسرة، يعيش هذا الارتباط بطريقة عاطفية معقدة. حبه للأم يمتزج بالواجب والحماية، ويستمر أثره حتى بعد أن يصبح أباً. وهنا يحدث التحول الجميل، حيث يسعى هذا الابن لإحياء مشاعر الأم في علاقاته العاطفية، غالباً مع ابنته، تلك الطفلة التي تتحول في قلبه إلى ابنته وأمه ومدللته في آن واحد.

أما غياب الأم، فيشبه في ثقله أسطورة سيزيف، ذلك الملك الذي كان يدفع الصخرة إلى قمة الجبل بلا توقف، في كفاح مرير لا ينتهي. فغياب الأم يترك في النفس فراغاً عاطفياً دائماً، شعوراً بالوحدة والحرمان من الحنان الأول الذي يصعب تعويضه. حتى الرجال البالغون الذين فقدوا أمهاتهم يظل الحنين والألم يرافقهم في صمت. والابن الأكبر على وجه الخصوص يشعر بثقل هذا الغياب أكثر من غيره، إذ يتحول الحنين عنده إلى مسؤولية عاطفية محملة بالحب والذكريات، وكأن قلبه لا يزال يبحث عن دفء الأم المفقود.

هذا التأثير النفسي لا يقتصر على الفقد الجسدي، بل يمتد ليشمل الفقد العاطفي، حين تغيب الأم عن حياة الأبناء أو تكون بعيدة من الناحية الوجدانية. الأطفال والرجال على حد سواء يفتقدون إحساس الأمان الحقيقي. وهنا يتحول الحنين إلى محاولة دؤوبة لإعادة خلق شعور الأم في العلاقات الإنسانية، فتتجسد الأم في الابنة أو في الحب الذي يقدمه الإنسان لمن حوله.

إن الأم المغربية، كما صوّرها الصفريوي في رائعته، تمثل نموذجاً للأم المكافحة التي تحملت تحديات اجتماعية وصحية وتربوية كبرى. هي الأم التي ضحت بعمرها وصحتها في سبيل مستقبل أبنائها، ومع ذلك ظلت تحافظ على كرامتها وحبها غير المشروط لهم. هي الأم التي عملت بيديها وسهرت بقلبها، لتخرج من تحت يديها رجالاً ونساءً يساهمون في بناء هذا الوطن. هذه الأم تمثل رمز التضحية الذي يخلد في وجدان الأجيال، ليظل شاهداً على أن الحب الحقيقي لا يموت.

في اليوم العالمي للأم، ندرك أن هذه المناسبة أكثر من مجرد تقليد اجتماعي. إنها فرصة حقيقية للتأمل في قيمة الأم، في دورها النفسي والوجودي في حياة الإنسان، وفي تجربة الفقدان التي لا تنتهي بغيابها. وفي هذا اليوم، نرفع أسمى آيات التقدير إلى كل أمهات العالم، ونتوجه بتحية خاصة إلى كل أم مغربية مكافحة ضحت من أجل أبنائها بكل ما تملك من حب وصبر وجهد.

تبقى الحقيقة الأسمى: الأم ليست مجرد كلمة ننطقها، ولا علاقة عابرة نعيشها. إنها تجربة وجودية كبرى تشكل الإنسان بأعمق صورة ممكنة. فالحنان الذي تمنحه، والتضحيات التي تقدمها، والقيم التي تغرسها، كلها تصنع من الإنسان شخصاً قادراً على الحب والصبر ومواجهة الحياة. وحتى بعد غيابها، يبقى أثرها حياً في القلب والذاكرة، يرافق الأبناء في خطواتهم. الأم هي البداية والنهاية، وهي قلب الحياة الذي لا يتوقف عن النبض. وفي يومها العالمي، نحتفي بها، نكرمها، ونؤكد أن وجودها، حاضرة أو غائبة، هو الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com