في ذكرى اليوم العالمي للشعر
حين ينقذنا الشعر من ضجيج العالم
عتبة مدخلية

مع حلول الحادي والعشرين من شهر مارس، تتجدد الدعوة للوقوف عند الكلمة في أنبل تجلياتها، لا بوصفها وسيلة تعبير عابرة، بل باعتبارها جوهرا خالصا لانسانيتنا ، مساعدا أمينا يُكشف لنا أعماق التجربة ويمنحها ذاك المعنى الذي هي عليه ذواتنا في عالم متسارع تَحُفه التناقصات وتتشظى فيه الدلالات . فيظل الشعر مساحة خالصة لكل تأمل عميق ووازن، وملاذا يسمح باعادة الدفء للغة ، ومزودا لنا بالصلة الخفية لذواتنا أولا ، والانفتاح على العالم ثانيا .
تأملات في إنسانية الكلمة الخالدة
في عالمنا المتميز بازدياد السرعة التي نكاد معها ابتلاع أنفسنا ، نكون في أمس الحاجة – أكثر من أي وقت مضى – الى الاستمتاع بالصمت العميق ، والابتعاد عن صخب وضجيج المحيط الذي يَلُفّنا ، يجعلنا منغمسين في خضمه ، فنكون ملزمين بالتمعن في الصوت الخفي الساكن في أعماقنا … المجسد في لغة الصفاء والعمق التي يبوح بها الشعر ، رافضين الانزلاق في أي ترف لغوي من بقايا زمن جميل هو راحل عنا . وعندئد يغدو الشعر من المحاولات المستمرة للنجاة من قسوة ذاك الواقع ومن الصمت المطبق للمعنى . وعندما تعجز اللغة اليومية عن حمل أثقال التجربة ، يُولَد بهاء الشعر لأنه البديل الأكثر صدقا ، والأقرب تعبيرا الى ما نحسه ونشعر به يتحرك في دواخلنا ، ويظل خالدا لأنه لا يكتفي بوصف العالم ، بل يعيد خلقه … ترتيبه … صياغته . على حد قول “محمود درويش” 【على هذه الأرض ما يستحق الحياة 】. وتحوِّيله هذه العبارة الى موقف وجودي، والى اعلان مقاومة وصمود في وجه العدم بكل مافيه من هزات.
في الشعر لا نبحث عن الجمال … الصفاء … المتعة ، بل عن المعنى الصادق ، عن الطريق الى الحقيقة . ولعه الأمر الذي دفع ” أدونيس ” الى القول بأن 【 الشعر هو أن ترى ما لا يُرى 】لا ليصف الواقع المعيش ، بل ليكتشف طبقاته الخفية ويجود علينا بتلك العين الخاصة التي نرى بها ما اعتدنا على الدوام تجاهله . ومنه فان الشعر في زمن الحياة المتسارع ، يبدو وكأنه تراجع الى الظل . نظرا لأن العالم اليوم – وبحكم تناقضاته – لا يمنحنا وقتا كافيا للتأمل ، ولا يصبر على لغة تحتاج الى بطء كي تُفهم . فيظل حاضرا فينا ، لا بصوته العالي ، بل بهمسه العميق الذي لاينافس الضجيج بل يتجاوزه . الأمر الذي عبّر عنه ” نزار قباني ” حين قال 【 الشعر هو الرسم بالكلمات 】لا ليشرح ، بل يُجسد . ولا ليُقنع ، بل ليُشعر . رسم بالكلمات لكل ما لا تستطيع الصور وحدها أن تبلغه . وفي لحظة أكثر عمقا ، يأتينا تذكير من ” جبران خليل جبران ” بأن【 الشعر حكمة تنشد 】أي أنه ليس مجرد تعبير عاطفي ، بل تجربة فكرية وروحية في نفس الوقت ، تلتقي فيها ومن خلالها الحكمة بالغناء ، واحساس القلب بتأمل العقل . أما ” بابلو نيرودا ” فيذهب الى أبعد من ذلك ، مانحا الشعر بعدا انسانيا أوسع بقوله【 الشعر فعلُ سلام 】وكأن القصيدة – عنده – في جوهرها هي محاولة لاعادة التوازن الى عالمٍ مختل ، أو لتضميد جراح لا تُرى .
ونحن نعيش هذه المناسبة العالمية ، لسنا مدعويين فقط الى الاحتفاء بالشعراء ، بل نحن في أمس الحاجة الى استعادة علاقتنا بالكلمة، فلا نقرأ لنستهلك النصوص، بل لنصغى إليها … نتأملها …نتمعنها … نستمتع بها . وأن لا نكتب لنملأ الفراغ ، بل لنفهم حقيقة دواخلنا .
وفي نهاية المطاف يبقى الشعر ملتصقا بنا وليس خارجا عنا ، لأن كل لحظة نصمت فيها نفهم أكثر، أو نتألم فنعبّر، أو نحلم فنخلق عالما آخر أكثر رحابة … اتساعا … صفاء … محبة .
خلاصة في حضرة الشعر
في زمن تتكاثر فيه الكلمات وتندر فيه المعاني، يظل الشعر الملاذ الأخير للروح، والمساحة التي يستعيد فيها الفرد انسانيته بعيدا عن ضجيج العالم. انه ليس ترفا ولا هروبا من ماضٍ يتراوح جيئة وذهابا بين الحضور والغياب، بل هو لحظة عميقة تشبه الحاجة الى الصمت … الى التأمل … الى الحلم … الى المعنى … لذلك يبقى الاحتفاء بهذا اليوم العالمي ، ليس احتفاء بالشعر وحده ، بل هو احتفاء بأنفسنا في أرقى تجلياتها ، حين نشعر … نتواجد … نحس … نفكر … نيُعَبِّر .وربما لهذا السبب ، يظل الشعر ضروريا لنا في الحياة . ليس لأنه يغيّر العالم – ولو بشكل غير مباشر – بل لأنه يجعلنا نغيّر ذواتنا . ومن خلاها قد يتغيّر العالم ببطء عميق .
طنجة في 20 مارس 2026
