مرثيّة في عميد الأغنية المغربية عبد الوهاب الدكالي
طوبى لكَ وحُسنُ مآب

يا راحلاً وبلادُ المغربِ احتَرَقَتْ
حُزناً، وصوتُكَ في الأسماعِ لم يَهُنِ
أودعتَ في القلبِ لحنًا لا زوالَ لهُ
كأنّهُ الفجرُ في الآفاقِ لم يَفِنِ
يا سيّدَ النغمِ المغربيِّ، يا عَلَماً
أضاءَ دربَ الهوى والفنِّ في الوَطَنِ
رحلتَ، لكنْ تركتَ اللحنَ مُنتصباً
فوقَ الزمانِ، كشمسٍ لا تَغيبُ دُجُنِ
كم هزَّ صوتُكَ وجداناً وأيقظَ في
أعماقِنا شوقَ أجيالٍ بلا ثَمَنِ
كم قلتَ للحبِّ: كُنْ، فاستيقظتْ مُدُنٌ
ومالَ عودٌ، وغنّى الطيرُ في الفَنَنِ
مرسولُ حبِّكَ ما زالتْ رسالتُهُ
تمضي إلى القلبِ مثلَ الضوءِ في السُّفُنِ
وكم زرعتَ بأوتارِ الهوى أملاً
حتى غدا الحزنُ يُخفي بعضَ ما عَلَنِ
يا ابنَ فاسٍ، وفي فاسٍ لنا قِبَلٌ
من نورِ علمٍ، ومن تاريخِ ذي سَنَنِ
حملتَ منها صفاءَ الروحِ مُرتحلاً
حتى بلغتَ المدى في المجدِ والفَنَنِ
ما كنتَ صوتاً يمرُّ الناسُ تسمعُهُ
بل كنتَ ذاكرةً تمشي مع الزَّمَنِ
في كلِّ بيتٍ صدى، في كلِّ ذاكرةٍ
نجمٌ يضيءُ، وإن غابتْ يدُ البَدَنِ
تبكيكَ أعوادُنا، تبكيكَ قيثارٌ
وتستفيقُ الربوعُ اليومَ في شَجَنِ
وتنحني الأغنياتُ البيضُ خاشعةً
كأنّها السُّحبُ في محرابِ ذي حَزَنِ
يا من رفعتَ مقامَ الفنِّ مُحترماً
وصنتَ للكلمةِ البيضاءِ حسنَ غِنَى
لم تستعرْ من رخيصِ القولِ زينتَهُ
بل صغتَ من نُبلِكَ المعنى بلا وَهَنِ
إن غابَ وجهُكَ، فالأيامُ شاهدةٌ
أنَّ الكبارَ إذا ما غابُوا لم يَغِبُوا
يبقى لهم في ضميرِ الناسِ منزلةٌ
وتبقى آثارُهم في الروحِ تُنتَخَبُ
نمْ آمناً، يا أبا الألحانِ، في سَكَنٍ
فالذكرُ بعدكَ عطرٌ طابَ في الكَفَنِ
قد كنتَ للمغربِ المعطاءِ أغنيةً
تمشي، ورايةَ عزٍّ بينَ كلِّ فَمِ
واليومَ نرفعُ أكفَّ الحزنِ ضارعةً
للهِ، ربِّ العُلا، مولى عظيمِ المِنَنِ
اللهمَّ اغفرْ لعبدِ الوهابِ وارفعْهُ
في الصالحينَ، وبلّغْهُ مدى الأَمَنِ
واجعلْ لهُ في جنانِ الخلدِ منزلةً
تسمو، وتزهو برضوانٍ بلا دَخَنِ
ونقِّهِ من خطاياهُ ومن زَلَلٍ
كما يُنقّى بياضُ الثوبِ من دَرَنِ
وافتحْ لهُ بابَ رحمتِكَ التي وَسِعَتْ
كلَّ الورى، وامنحِ الأرواحَ حسنَ سَكَنِ
يا ربُّ، ألهمْ ذويهِ الصبرَ مُحتسباً
واجمعْ قلوبَهُمُ في اللطفِ والمِنَنِ
وارحمْ أصدقاءَهُ، جمهورهُ، وطناً
أمسى يُودّعُ ركناً شامخَ القِمَمِ
عزاؤُنا أنَّ صوتَ الفنِّ باقٍ لنا
وأنَّ أثرَكَ لا يَفنى مع الزَّمَنِ
ستظلُّ في القلبِ، يا دكاليُّ، أغنيةً
تُروى، وتُنشَدُ في الأفراحِ والمِحَنِ
طوبى لكَ اليومَ إن جئتَ الإلهَ بقلبٍ
يرجو الغفورَ، وحُسنَ العفوِ والحَسَنِ
وصلِّ ربّي على المختارِ سيّدِنا
ما لاحَ صبحٌ، وما غنّى الهوى في الوطنِ.
