قصيدة نثرية جديدة للشاعر محمد الحراق
قال لي اقرأ…
قال لي اقرأ،
قلت: انتظر حتى يشتعل القلب عشقا…
قال لي اقرأ الآن،
قلت: انتظر حتى يشتعل الصدر حبا.
ثم قال لي اقرأ:
قلت انتظر حتى تشتعل الروح لوعة.
فقال لي: اقرأ.
قلت: انتظر فأنا أقرأ نفسي.
قال لي: اقرأْ
قلتُ:
تمهّل قليلًا…
فالحروفُ باردةٌ
ولم يشتعلْ قلبي بعدُ
بالقدرِ الذي يجعلُ للكلماتِ نبضًا.
قال: اقرأ الآن.
قلتُ:
كيف أقرأ
وصدرِي ما يزالُ غرفةً
تتعلّمُ أولَ شهقةِ حبّ؟
اقتربَ الصوتُ أكثر:
اقرأ.
فقلتُ:
دع الروحَ أوّلًا
تجرّبُ نارَها،
دعها تتكسّرُ
على أبوابِ الشوق،
وتعرفُ كيف تتحوّلُ اللوعةُ
إلى جناحين.
قالها هذه المرّة
كأنّه يعرفني أكثر ممّا أعرف نفسي:
اقرأ.
سكتُّ طويلًا…
ثم قلتُ:
لكنّي متعبٌ
من قراءةِ الكتبِ التي لا تُشبهني،
ومن الكلماتِ التي تمرُّ
دون أن تتركَ جرحًا أو نجمة.
أنا الآن
أحاولُ أن أقرأني:
ذلك الطفلَ المختبئَ
خلف ضجيج العمر،
وذلك القلبَ
الذي كلّما أحبَّ
احترقَ قليلًا
وأضاء كثيرًا.
أقرأُ وجهي
حين يُخفي هشاشتَه بالابتسام،
وأقرأُ روحي
حين تجلسُ وحيدةً
تحدّثُ اللهَ بصمت.
قال لي أخيرًا:
وهل هناك كتابٌ
أعمقُ من الإنسان؟
فأغمضتُ عينيّ…
وبدأتُ القراءة
أقرأ…
لا بعينيّ هذه المرّة،
بل بذلك الضوءِ الخفيّ
الذي يسكنُ خلف التعب.
قرأتُ
كيف يكبرُ الحنينُ داخلَ الإنسان
مثل شجرةٍ
لا يراها أحد،
لكنّ جذورها
تشقُّ القلبَ ببطء.
قرأتُ
أنّ بعضَ الناس
يمرّون في أعمارنا
كأنّهم سطورٌ عابرة،
وبعضهم
يكتبوننا من جديد.
وكلّما تعمّقتُ في القراءة
اكتشفتُ
أنّي كنتُ أهربُ منّي
إليّ.
كنتُ أظنُّ الحبَّ
قصيدةً تُقال،
فاكتشفتُ أنّه
حياةٌ كاملة
تُعاشُ بين خوفين:
الخسارة…
والانتظار.
وقرأتُ في وجوه العابرين
أنّ الجميعَ
يحملُ قلبًا متعبًا،
وأنّ الضحكاتِ العالية
غالبًا
تُخفي حروبًا صامتة.
ثم سمعتُه يعودُ إليّ
كأوّل مرّة:
اقرأ…
فابتسمتُ هذه المرّة،
وقلتُ له:
الآن أستطيع.
فالروحُ
حين تنضجُ بالألم،
تصيرُ أكثرَ قدرةً
على فهمِ المعنى.
الآن أقرأُ الحبَّ
دون خوف،
والوحدةَ
دون انهيار،
وأقرأُ الليلَ
كصديقٍ قديم
جاء ليحرسَ هشاشتي.
الآن فقط
أفهمُ
أنّ القراءةَ الحقيقية
ليست أن تمرَّ على الكلمات،
بل أن تمرَّ الكلماتُ
عليك…
فتُغيّرك.
ثم مضيتُ
كأنّي أدخلُ مدينةً
بُنيتْ من الذكريات،
شوارعُها من حنين،
ونوافذُها
تطلُّ على أعمارٍ
لم نعشها كما ينبغي.
كنتُ كلّما فتحتُ صفحةً
سقطَ منّي شيء:
خوفٌ قديم،
ندمٌ مؤجَّل،
وصوتٌ كان يُقنعني
أنّ النجاةَ
في الهروب.
لكنّ القراءةَ
علّمتني شيئًا آخر:
أنّ الإنسان
لا ينجو بالابتعاد،
بل بالمواجهة.
قرأتُ قلبي جيدًا…
فوجدتُه
يشبهُ طفلًا
أضاع الطريقَ في الزحام،
وكلّما حاولَ أحدٌ أن يربّتَ عليه
بكى أكثر.
وقرأتُ الحبَّ أيضًا،
فاكتشفتُ
أنّه ليس لقاءَ روحين فقط،
بل اعترافٌ عميق
بأنّنا ناقصون،
وأنّنا نبحثُ في الآخرين
عن أجزائنا المفقودة.
أما الليل…
فلم يعدْ مخيفًا كما كان،
صار كتابًا أسودَ
تلمعُ فوقه النجومُ
كهوامشِ رحمة.
وكنتُ كلّما تعبتُ
سمعتُ ذلك الصوتَ البعيد:
اقرأ…
فأسأله:
وماذا بقيَ لأقرأه
بعد كلّ هذا التعب؟
فيهمسُ لي:
اقرأ ما بينك وبينك…
فهناك الحكايةُ كلُّها.
فأعودُ إلى نفسي،
أقلّبُ صفحاتِها بحذر،
وأكتشفُ أنّ داخلَ الإنسان
بحرًا كاملًا
لا تُظهره الملامح.
هناك،
في أعمقِ نقطةٍ من الروح،
وجدتُني أخيرًا…
جالسًا بهدوء،
أكتبُ أولَ سطرٍ حقيقيٍّ
من حياتي.
أحيانًا
لا نقرأُ الكتبَ لنعرفَ أكثر،
بل لنشعرَ أنّ أحدًا
سبقَ أن مرَّ
من هذا الحزن…
ونجا.
وأحيانًا
نقرأُ أنفسَنا متأخرين،
فنكتشفُ أنّ العمرَ كلَّه
كان رسالةً قصيرة مشفرة
نحاولُ فكَّ معناها.
لكن القلب سارع في الكتابة…
لأن الأرواح لا تُشبهُ الضجيج،
إنّما تُشبهُ النصوصَ التي تبقى.
