البرغواطيون..

البرغواطيون..

البرغواطة (أصل تسميتهم) وهل كان لهم قرآن ونبي؟

           حميد عقبي

تُعدّ دراسة الباحث مبارك ردجالة «البرغواطة (أصل تسميتهم)» واحدة من المحاولات النقدية الجيدة لفهم ملف البرغواطة من زاوية لغوية وتاريخية مختلفة عن السرديات التقليدية. وقد نُشرت هذه الدراسة ضمن مجلة الغرب الإسلامي والبحر الأبيض المتوسط، العدد 35، سنة 1983، الصفحات 115–125، وهي مجلة أكاديمية فرنسية متخصصة بتاريخ المغرب والأندلس والدراسات المتوسطية.
تنبع أهمية الدراسة كونها لم تنشغل بتكرار الروايات الشائعة حول “نبي البرغواطة” و”قرآن البرغواطة”، لكنها ركّزت على قضية تبدو صغيرة ظاهريًا لكنها شديدة العمق: أصل الاسم نفسه.
فالباحث يرى أن فهم التسمية يفتح الطريق لفهم تاريخ الجماعة، وكيف تحوّلت من تحالف قبلي محلي إلى دولة استمرت قرابة أربعة قرون. ويبدأ ردجالة بتفكيك الروايات الوسيطة التي ربطت اسم البرغواطة بمدينة باربات الإسبانية، معتبرًا أن هذا التفسير تكرّر دون تدقيق علمي. واشار إلى أن المصادر التي كتبت عنهم—مثل البكري وابن حوقل وابن خلدون—كانت تكتب من الخارج، وغالبًا في سياق سياسي أو ديني معادٍ، وكل هذا خلق صورة  مشوشة ومحمّلة بأحكام مسبقة. ولهذا فإن الدراسة كمحاولة لاستعادة التوازن، والعودة إلى اللغة والأسماء والجغرافيا بدل الاكتفاء بالتهم الجاهزة أو القصص المثيرة.

اعتمد مبارك ردجالة منهجًا دقيقًا قام على حصر القضية في نقطة واحدة: التسمية. وهذه ميزة مهمة في الدراسة، إذ لم يحاول الباحث تقديم تاريخ شامل للبرغواطة أو بناء سردية متخيلة عن دينهم، حيث اشتغل على أصل الاسم من خلال المقارنة بين النصوص الوسيطة وتحليل البنية اللغوية للأسماء الأمازيغية. فبعد مراجعة الروايات التي تقول إن الاسم مشتق من باربات، قدّم الباحث فرضية مختلفة تقوم على تقسيم الاسم إلى عنصرين: “بار” و”غوات”. ويرى أن “بار” تؤدي وظيفة قريبة من “بنو” في العربية، أي أبناء أو سكان، بينما “غوات” قد تكون اسم موضع أو جماعة قديمة، وربما لها صلة باسم “لغواط” المعروف في الجزائر. كما يدعم الباحث فرضيته بأسماء مشابهة وردت في المصادر، مثل باركاجينا، حيث يظهر العنصر نفسه “بار” مرتبطًا باسم موضع جغرافي.
ومن خلال هذا التحليل يصل إلى أن “البرغواطة” أو “البورغواطة”تسمية جغرافية ـ قبلية أمازيغية، وليست اسمًا دينيًا أو مستوردًا من الأندلس. كما لمّح إلى احتمال أن البرغواطة كانوا تحالفًا لقبائل متعددة، بعضها زناتي أو مصمودي، اجتمع في تامسنا بعد فشل الحركات الخارجية في القرن الثاني الهجري.
ومن هنا تصبح الدولة البرغواطية تجربة سياسية محلية أكثر منها “ظاهرة شاذة” كما صورتها بعض المصادر. والأهم في الدراسة أن الباحث يذكّرنا دومًا بحدود المعرفة، وأن غياب النصوص الأصلية يجعل أي حكم نهائي أمرًا صعبًا.

لكن الملف اليوم خرج من الإطار الأكاديمي الهادئ، وعاد بقوة عبر السوشيال ميديا، حيث تحوّل البرغواطة إلى مادة للترند والضجيج. فمن حين إلى آخر يظهر فيديو على يوتيوب أو تيك توك بعنوان مثير مثل: “الحقيقة المخفية عن قرآن البرغواطة”، أو “النبي الأمازيغي الذي أخفاه المؤرخون”، ثم تبدأ موجة من الجدل والانفعال. والغريب أن أغلب هذه النقاشات لا تتم داخل الجامعات أو مراكز البحث، بل داخل فضاء رقمي سريع يقوم على الإثارة والاختزال. هذا يقدّم البرغواطة كأنهم سرّ أسطوري أو فضيحة تاريخية، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا وأقل يقينًا. فحتى الآن لا يوجد نص كامل لما يسمى “قرآن البرغواطة”، بل إشارات متفرقة وردت عند خصومهم.
كما لا يمكن الجزم بطبيعة عقيدتهم أو حجم اختلافهم عن الإسلام السائد في عصرهم.
بعض الروايات تشير إلى أنهم كانوا يحجون إلى مكة، وأن لهم علاقات سياسية مع قوى متعددة، بل ومع بعض الأمويين في الأندلس، ما يعني أن الصورة لم تكن دائمًا صورة قطيعة مطلقة.
لكن السوشيال ميديا لا تحب التعقيد؛ فهي تفضّل الإجابات الحاسمة والسرديات الصادمة. وهكذا يتحول النقاش إلى صراع هوياتي: هذا يصرخ بأن المغرب أمازيغي بالكامل، وآخر يرد بأن المغرب عربي خالص، وثالث يتهم الجميع بالزندقة أو العمالة. وبين هذه الأصوات يضيع التاريخ نفسه.
والأخطر أن كثيرًا من المتابعين لا يقرأون الدراسات الأصلية، بل يكتفون بمقاطع مقتطعة أو اقتباسات مشوهة. لذلك يبدو أحيانًا أن الهدف الحقيقي ليس المعرفة والعلم والتاريخ، بل الظهور الإعلامي وجمع المشاهدات و”الهشتاجات”، حتى لو تم تبسيط قضية تاريخية معقدة إلى معركة “فايسبوكية” أو “توك توكية” بلا معنى علمي.

ومن خلال هذا النقاش كله يمكن الخروج بعدة استنتاجات مهمة.
أولًا: أن تاريخ البرغواطة ما يزال غامضًا بسبب غياب المصادر الداخلية.
ثانيًا: أن أغلب ما نعرفه عنهم وصل عبر خصومهم، ولذلك لا يمكن التعامل معه كحقيقة مطلقة.
ثالثًا: أن التفسير التقليدي لأصل الاسم يبدو ضعيفًا مقارنة بالتحليل اللغوي الذي قدمه ردجالة.
رابعًا: أن البرغواطة لم يكونوا مجرد “فرقة دينية منحرفة”، بل تجربة سياسية واجتماعية معقدة.
خامسًا: أن استمرار دولتهم نحو أربعة قرون يدل على وجود تنظيم واستقرار نسبي، لا مجرد حركة عابرة.

سادسًا: أن ما يسمى “قرآن البرغواطة” لم يصلنا بشكل أصلي، وكل الحديث عنه قائم على شذرات وروايات متناقضة.
سابعًا: أن احتمال تشويه صورتهم أو إتلاف جزء من تراثهم وارد بسبب الصراعات السياسية والدينية.
ثامنًا: أن النقاش الحديث حولهم يعكس أزمة أعمق في قراءة التاريخ العربي والمغاربي.
تاسعًا: أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل الموضوع إلى مادة استقطاب وهويات متصارعة.

عاشرًا وأخيرًا: أن التعامل العلمي مع البرغواطة يحتاج إلى قراءة نقدية هادئة تعترف بحدود المعرفة، بدل تحويل الماضي إلى أداة للمعارك الأيديولوجية المعاصرة.

رابط مداخلة نقدية عن البرغواطة وعرض لدراسة الباحث مبارك ردجالة
https://youtu.be/7F5LII-4reo?si=caF8FqZ-lF1av7l5

وفي الختام، يمكن القول إن ملف البرغواطة يكشف لنا أن طبيعة كتابة التاريخ نفسه معقدة، ويمكن للسياسة والدين والهوية أن تعيد تشكيل صورة الماضي عبر القرون. وربما تكمن أكبر مشكلة في هذا الملف أن الناس تبحث عن يقين نهائي في موضوع لا يملك وثائق كافية. ولهذا نجد من يبالغ في تمجيد البرغواطة، مقابل من يبالغ في شيطنتهم، بينما الحقيقة على الأرجح تقع في منطقة أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا.
كما أن غياب الآثار والنصوص الكاملة لا يعني بالضرورة أنهم كانوا “أسطورة”، فهذا يعكس طبيعة المجتمعات الشفوية، وظروف الصراع التي تؤدي أحيانًا إلى محو تراث المهزومين.
ومن المهم أيضًا ألا يتحول الدفاع عن الأمازيغية أو العروبة إلى ذريعة لقراءة انتقائية للتاريخ. فالمغرب الكبير تشكّل عبر قرون من التداخل والتفاعل، والبرغواطة كانوا جزءًا من هذا التاريخ المركب. لذلك تبقى الدراسات الجادة—مثل دراسة مبارك ردجالة—أكثر قيمة من آلاف المقاطع السريعة، لأنها تحاول إعادة الأسئلة إلى مكانها الصحيح: داخل البحث العلمي، وليس داخل الضجيج الرقمي.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *