حين تسيء المساواة فهم العدالة..

حين تسيء المساواة فهم العدالة..

 دفاعا عن الظلم في وجه التماثل القاتل بإسم الإنصاف

د. محمد جستي

رفع شعار العدالة، كثيرا ما تختزل هذه القيمة العميقة في مفهوم بسيط: المساواة. لكن، هل كل مساواة عادلة فعلا؟ وهل يمكن أن تتحول المساواة نفسها إلى أداة ظلم؟ هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”التماثل القاتل“، ذلك التشابه الأعمى الذي يغفل الفروق الجوهرية بين الناس والظروف.

في الخطاب المعاصر، تقدم المساواة بوصفها القيمة العليا التي ينبغي أن تبنى عليها المجتمعات الحديثة. غير أن هذا التصور، على ما يبدو من جاذبية أخلاقية، يخفي اختزالا خطيرا لمفهوم أعمق وأكثر تعقيدا. فليست العدالة مرادفا للمساواة، بل هي في جوهرها تصحيح لانحرافات المساواة حين تتحول إلى آلية عمياء تسوي بين المختلفين، وتهمل الفوارق الجوهرية بين الأفراد والظروف.
المساواة، حين تفهم بوصفها تماثلا مطلقا، قد تتحول إلى أداة لإفساد المجتمعات بدل إصلاحها. إذ كيف يمكن معاملة المجتهد والكسول، المبدع والعادي، بنفس المعايير دون أن يؤدي ذلك إلى قتل روح المبادرة وتقويض قيمة الاستحقاق؟ إن العدالة تنظر إلى الأفراد في سياقاتهم، وتقوم الأفعال بناء على معايير الاستحقاق والظروف، لا على أساس التماثل الشكلي.
لقد أثبتت تجارب تاريخية ودراسات فكرية عديدة أن فرض المساواة القسرية يؤدي إلى نتائج عكسية. حين تلغى الفوارق الطبيعية بين الناس، يصبح المجتمع بيئة طاردة للكفاءة، حيث لا يكافأ التفوق ولا يحاسب التقصير. في مثل هذا السياق، تتآكل القيم الإنتاجية، ويعاد تشكيل الوعي الجمعي على نحو يمجد الحد الأدنى ويعادي التميز.
العدالة، توازن دقيق بين الحرية والمسؤولية، بين الحقوق والواجبات، وبين الفرد والجماعة. وهي، قبل ذلك وبعده، اعتراف بأن الاختلاف ليس عيبا ينبغي محوه، بل حقيقة إنسانية ينبغي إدارتها بحكمة.
إن الدفاع عن العدالة في وجه المساواة المفرطة ليس دعوة إلى التمييز أو الإقصاء، بل هو نداء لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الإنصاف، الذي ينصف دون أن يساوي، ويقدر دون أن يعمم. فالمجتمعات التي تدرك هذا الفرق الجوهري هي وحدها القادرة على بناء منظومات متوازنة تحقق الاستقرار والتقدم.
في النهاية، قد تبدو المساواة شعارا براقا، لكنها إن لم تضبط ببوصلة العدالة، قد تتحول إلى قيد يكبل المجتمعات بدل أن يحررها. والرهان الحقيقي ليس في أن نكون متساوين، بل في أن نكون عادلين.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في الظلم الواضح، بل في الظلم الذي يرتدي قناع العدالة. حين نخلط بين المساواة والإنصاف، نمنح شرعية لنتائج غير عادلة، ونسكت أصوات من يحتاجون إلى معاملة مختلفة ليصلوا إلى نفس النقطة.
في النهاية، ليست العدالة أن نعطي الجميع الشيء نفسه، بل أن نمنح كل فرد ما يستحقه ليكون على قدم المساواة مع الآخرين. وبين المساواة العمياء والإنصاف الواعي، تتحدد إنسانية القوانين وصدق القيم.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *