مغاربة العالم..

مغاربة العالم..
sefroupress.com

خيرنا مديه غيرنا …

    منير لكماني

لا يمكن إنكار أن الطلبة المغاربة الذين يتابعون دراستهم في الخارج، وخاصة في الجامعات والمعاهد المتقدمة، يمثلون ثروة حقيقية. فهم يكتسبون معارف دقيقة، ويتعرفون إلى مناهج جديدة في التفكير والعمل، ويطورون مهارات علمية ومهنية يحتاجها كل بلد يسعى إلى التقدم. لذلك لا ينبغي النظر إلى سفرهم للدراسة بإعتباره نجاحا فرديا فقط، بل بإعتباره إستثمارا وطنيا في رأس مال بشري ثمين.

لكن السؤال الجوهري هو: ماذا بعد التكوين؟ فالدراسة في الخارج لا ينبغي أن تكون محطة تنتهي بإنقطاع الصلة مع الوطن، بل بداية علاقة أقوى بين الكفاءة المغربية وبلدها. لأن المعرفة، مهما كانت عالية، تفقد جزءا كبيرا من معناها الوطني إذا بقيت منفعتها محصورة في الخارج وحده.

نزيف هادئ للكفاءات

حين يدرس الشاب المغربي سنوات طويلة في الخارج، ثم يجد هناك شروط العمل والإستقرار والإعتراف، فمن الطبيعي أن يميل إلى البقاء. المشكلة ليست في إختياره الشخصي وحده، بل في غياب سياسة واضحة تجعل العودة، أو على الأقل خدمة الوطن عن بعد، خيارا ممكنا وجذابا. وهنا يظهر المعنى المؤلم لعبارة: “خيرنا مديه غيرنا”. فالكفاءة التي حملت إسم المغرب، ونشأت في بيئته، واستمدت جزءا من قوتها من هويته، تصبح في النهاية قوة مضافة لإقتصاد آخر ومؤسسات أخرى.

هذا لا يعني لوم الطلبة أو مهاجمة من إختاروا مسارا مهنيا في الخارج. فالكفاءات تبحث عن فضاء يحترم جهدها، ويمنحها فرصة للتطور، ويوفر لها شروط العمل الكريم. لذلك فإن المسؤولية الأكبر لا تقع على الفرد وحده، بل على السياسات العمومية، والجامعات، والمقاولات، والمؤسسات التي يجب أن تطرح سؤالا واضحا: كيف نجعل المغرب قادرا على الإستفادة من أبنائه أينما كانوا؟

التكوين بين النجاح الفردي والمسؤولية الوطنية

وفي هذا السياق، يختصر الخبير المغربي الألماني في الإستثمار، محمدي أخباش، جوهر الإشكال حين يؤكد أن تكوين الطلبة المغاربة في ألمانيا وأوروبا يمثل إستثمارا استراتيجيا في الرأسمال البشري للمغرب، لا مجرد إنجاز فردي معزول. فالمعرفة والخبرة اللتان يكتسبونهما لا ينبغي أن تبقيا منفصلتين عن حاجات الوطن، بل يجب تحويلهما إلى قوة نافعة عبر شبكات منظمة، وحوافز واضحة، وتعاون مؤسساتي فعال. لذلك، فالمعيار الحقيقي لا يكمن في جودة التكوين وحدها، بل في قدرة المغرب على توجيه هذا التكوين لخدمة مستقبله.

العودة ليست جسدا فقط

عندما نتحدث عن إسترجاع الكفاءات، لا ينبغي أن نفهم العودة بمعناها الضيق، أي أن يحمل الجميع حقائبهم ويرجعوا نهائيا إلى المغرب. فالعالم تغير، والمعرفة يمكن أن تتحرك بطرق متعددة. قد يخدم الباحث بلده من خلال مشروع مشترك، أو تأطير طلبة، أو نقل خبرة تقنية، أو إنشاء شركة ناشئة، أو ربط جامعة مغربية بمختبر أوروبي، أو المساهمة في تكوين مهني عن بعد.

المهم هو بناء جسور منظمة بين الداخل والخارج. فالمغربي المقيم في الخارج لا يجب أن يبقى مجرد رقم في إحصاءات الهجرة، بل ينبغي أن يتحول إلى شريك في التنمية. وهذا يحتاج إلى منصات حقيقية، لا إلى شعارات موسمية؛ منصات تجمع الكفاءات، تعرف بتخصصاتها، وتربطها بحاجات الاقتصاد الوطني، والجامعة، والإدارة، والمقاولة.

ما الذي ينقصنا؟

ينقصنا أولا الإعتراف العملي بقيمة الكفاءة. فكم من شاب مغربي تلقى تكوينا عاليا، ثم وجد أبواب بلده ثقيلة أو غامضة أو بطيئة؟ وكم من صاحب خبرة أراد المساهمة، فإصطدم بالبيروقراطية، وضعف التواصل، وغياب المخاطب الواضح؟ لا يكفي أن نقول إننا نحتاج إلى الكفاءات، بل يجب أن نوفر لها مسارات واضحة: فرص عمل محترمة، تحفيزات ضريبية، برامج بحث وتمويل، شراكات جامعية، وبيئة إدارية لا تطرد المبادرة.

وينقصنا أيضا أن نربط التكوين بالحاجات الوطنية. فلا معنى لتكوين عقول ممتازة في مجالات حيوية، ثم تركها تبحث وحدها عن مصيرها. يجب أن نعرف ماذا نريد من هذه الكفاءات: في الصحة، والهندسة، والذكاء الإصطناعي، والطاقات المتجددة، والصناعة، والتعليم، والإدارة الحديثة.

من التعليم إلى خلق القيمة

الدول الذكية لا تكتفي بإرسال أبنائها للتعلم، بل تفكر في كيفية تحويل ما تعلموه إلى قيمة داخلية. هناك بلدان صغيرة، لكنها نجحت لأنها بنت حلقة واضحة: تكوين جيد، ثم إحتضان للكفاءات، ثم إدماجها في الإقتصاد ومؤسسات الدولة. وهكذا تصبح المعرفة دورة كاملة، لا رحلة في إتجاه واحد.

المغرب قادر على ذلك إذا تعامل مع كفاءاته كاستثمار إستراتيجي. فالمطلوب ليس منع الشباب من السفر، بل تحويل السفر إلى فرصة للعودة بالخبرة، أو لنقلها، أو لاستثمارها في مشاريع تخدم البلاد.

المعرفة التي لا تعود تضعف الوطن

في النهاية، لا تقاس قوة الدولة فقط بعدد الطلبة الذين تخرجوا في الخارج، بل بقدرتها على الإستفادة من علمهم. فأن نكون سعداء بنجاح أبنائنا في العالم أمر مشروع، لكن الأجمل أن يجد هذا النجاح طريقه إلى الوطن.

“خيرنا مديه غيرنا” ليست مجرد عبارة حزينة، بل تنبيه إلى خلل يجب إصلاحه. فالكفاءة المغربية، أينما كانت، ينبغي أن تجد بابا مفتوحا نحو بلدها، لا بابا مغلقا يدفعها إلى الإبتعاد. وحين ننجح في ربط التعليم بالإنتماء، والخبرة بالفرصة، والهجرة بالمساهمة، عندها فقط يصبح تكوين أبنائنا في الخارج قوة للمغرب، لا خسارة صامتة من رصيده البشري.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *