المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026

المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026

المرأة والقراءة : حين يصبح الكتاب بابا للحرية

  شامة اليعقوبي

لا تتأطر القراءة في حياة  المرأة في مجرد عادة ثقافية أو ترف فكري، ولكنها  تصبح مدخلا فسيحا نحو الوعي والاستقلال واكتشاف الذات، فالمرأة التي تقرأ تكتسب قدرة أعمق على فهم العالم وعلى تسمية تجاربها والدفاع عن حقوقها وتربية أجيال أكثر وعيا. لذلك ظلّت العلاقة بين المرأة والقراءة علاقة شديدة الخصوصية لكونها تتجاوز المعرفة إلى التحرر من الصمت ومن الأمية ومن القيود الاجتماعية التي جعلت كثيرا من النساء بعيدات عن المدرسة والكتاب.

تشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن العالم حقق تقدما مهما في مجال التعليم ومحو الأمية، لكن الفجوة بين النساء والرجال ما زالت حاضرة بوضوح، فرغم أن نسبة كبيرة من سكان العالم أصبحت تعرف القراءة والكتابة، فإن ملايين البالغين ما زالوا محرومين من هذه المهارة الأساسية، والنساء يشكلن القسم الأكبر منهم، وهذا يعني أن الحديث عن القراءة لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن العدالة الاجتماعية، لأن المرأة التي تُحرم من القراءة تحرم غالبا من فرص العمل، ومن المشاركة الواعية في الحياة العامة، ومن القدرة على متابعة تعليم أبنائها وبناتها.

ومن جهة أخرى، تكشف دراسات حديثة أن النساء والفتيات، عندما تتاح لهن فرصة التعليم، يظهرن غالبا ارتباطا قويا بالقراءة، خصوصا قراءة الأدب والرواية والقراءة من أجل المتعة، فالفتيات في كثير من الأنظمة التعليمية يحققن نتائج جيدة في القراءة، كما أن النساء يملن إلى استعمال القراءة كوسيلة للاسترخاء وفهم المشاعر والتواصل مع تجارب الآخرين، وهذا يفسر ربما لماذا نجد حضورا واسعا للنساء في نوادي القراءة، وفي المبادرات الثقافية، وفي فضاءات تبادل الكتب، حيث يكون الكتاب مساحة للحوار والتعبير.

غير أن هذا الوجه المشرق لا يخفي تحديا آخر، وهو تراجع القراءة من أجل المتعة في زمن الشاشات والسرعة، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة تنافس الكتاب بقوة، خصوصا لدى الشباب.. وهنا يظهر سؤال مهم حول كيف نحافظ على علاقة النساء والفتيات بالقراءة في عالم يتغير بسرعة؟ الجواب لا يكون فقط بتوفير الكتب، وإنما أيضا بجعل القراءة قريبة من الحياة اليومية، مرتبطة بالاهتمامات الواقعية للمرأة في مجالات الصحة والعمل والتربية والحقوق والأدب والهوية.

ويمكن أن نستحضر المغرب مثالا مهما في هذا السياق، فقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة مجهودات في محو الأمية، خاصة بين النساء في العالم القروي والمناطق الهشة، وتشير بعض المعطيات الحديثة إلى أن النساء يشكلن النسبة الكبرى من المستفيدين من برامج محو الأمية، وهذا أمر له دلالة عميقة لأن المرأة المغربية التي تلتحق بقسم محو الأمية، بعد سنوات من الانقطاع أو الحرمان، لا تتعلم الحروف فقط.. إنها تستعيد ثقتها بنفسها. حين تستطيع قراءة وصفة دواء، أو رسالة هاتفية، أو وثيقة إدارية، فإنها تنتقل من موقع التبعية إلى موقع المشاركة.

كما أن اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب سنة 2026 يمنح المغرب فرصة رمزية وعملية لتعزيز علاقة المجتمع بالقراءة، وخاصة علاقة النساء بها، يمكن لهذه المناسبة أن تتحول إلى تجربة وطنية حقيقية إذا ارتبطت بمكتبات القرب، وورشات القراءة في الأحياء، وبرامج خاصة بالنساء القرويات، ونوادي قراءة في المدارس ودور الشباب. فالمطلوب ليس الاحتفاء بالكتاب في المدن الكبرى فقط، بل حمله إلى القرى  وإلى النساء اللواتي لم تتح لهن فرصة المصالحة مع القراءة.

إن القراءة بالنسبة إلى المرأة لا تعد مجرد معرفة، وإنما قوة ناعمة تغير الحياة من الداخل، فهي تساعدها على فهم حقوقها وتوسيع خيالها وتربية أطفال أكثر ارتباطا بالمدرسة، والمشاركة في بناء مجتمع أكثر وعيا، وكل امرأة تتعلم القراءة تفتح نافذة في بيتها، وقد تفتح معها نوافذ كثيرة في مستقبل أبنائها وبناتها.

يمكن القول إن علاقة المرأة بالقراءة هي مقياس حقيقي لتقدم المجتمعات، فحين تقرأ المرأة الواحدة ، يرتفع مستوى أسرة كاملة، وربما جيل كامل. ومن هنا فإن الاستثمار في قراءة النساء، وفي محو أميتهن، وفي تقريب الكتاب منهن، ليس عملا ثقافيا بسيطا، ولكنه مشروع تنموي وإنساني، والمغرب، بما راكمه من تجارب في محو الأمية وبما يستعد له من احتفاء بالكتاب، يستطيع أن يجعل من المرأة القارئة صورة لمستقبل أكثر عدلا ونورا.. لو كانت الإرادة والنوايا حسنة.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *