عطاء الحياة 4
تأملات في حكمة الطريق الخفي

عتبة تقديمية:
بعد تأملنا في الطريق التي لم نخترها، والأبواب التي لم تُفتح في وجوهنا، يظل السؤال قائما: [كي يمكن للانسان أن يكتشف العطاء حين يسلك طريقا لم يكن يرغب فيه؟] وهنا تظهر القيمة التي يكتسيها ” الصمت في الطريق ” ، حيث تُصقل التجارب ويُختبر القلب بعيدا عن صخب الأحداث، لتبدأ رحلة العطاء.
العطاء في صمت الطريق
قد تمر الحياة أحيانا في صمت لا تُسمع فيه إلا النفس التي تسير بهدوء في غياباته وتتحول تلك الصمتات – التي هي ليست فراغا – الى لحظات اعداد خفية ، حيث تُبنى الروح وتُصقل التجربة في حضرة السكون، بعيدا عن كل ما له علاقة بالضجيج. فيتخيل الينا أن الطريق موحش، وقد نعتقد أننا نسير بلا جدوى، لكن الحقيقة هي غير كذلك، فكل لحظة صامتة تحمل في أحشائها :
* درسا نكتشفه بعد حين.
* مواجهة خفية لقدرتنا على الصبر.
* فرصة لنرى أنفسنا كما هي بدون أقنعة، بعيدا عن كل رياء عاطفي.
انها لحظات يختبر فيها الإنسان عمقه الداخلي، ويكتشف أن العطاء لا ولن يأتي دائما في صورة ملموسة، بل أحيانا يصلنا على شكل نمو داخلي … فهم أعمق … طمأنينة أوسع … إدراك سهل … لم نكن نحس به من قبل.
في تلكم الصمتات البليغة والمتأنية يختبر الإنسان قدرة قلبه على الرضا، وقدرة نفسه على التكيف مع ما لم يكن يختاره.
فالابواب المغلقة لم تكن نهاية، بل هي بداية متزنة. والطريق غير المختارة لم تكن عبثا، بل هي وسائل لعطاء أكبر. وهنا في صمت الطريق، نتعلم – ولا شك – فن الانتظار الناضج، ونعترف أن بعض الأشياء تأتي من تلقاء نفسها، وأن بعضها الآخر ما كان له أن يكون مهما بذلنا من جهد ووقت وطاقة، الا اذا كان قدره كذلك.
وعطفا عليه فإن العطاء الحقيقي للحياة لا ولن يقاس بما نملك، بل بما نستخلص من تجاربنا الصامتة. وهنا في هدوء تلك اللحظات، يظهر معنى الحكمة القائمة على أن【 الحياة تمنحنا كل شيء في زمانه الأمثل وبالشكل الذي يناسبا 】، وأن ما نعتقد أنه ضياع، قد يكون أعظم هدية لنا نصادفها في الطريق.
وأخيرا فليس كل عطاء يُرى أو يُمسك باليد، فبعضه يأتي في صمت اللحظات، أو مع انتظار هادئ، ليعلمنا ما لم نستطع تعلمه في حينه، عبر الكلمات الرنانة أو الأحداث الصاخبة. فكل لحظة صمت هي رسالة خفية من الحياة:
* لتعرف نفسك أكثر.
* لتفهم ما تستحق.
* لتكتشف أن ما يغادر أحيانا لم يكن مقدرا له أن يبقى.
* وأن مايصل اليك ولو جاء في هدوء، هو بالضبط ما تحتاجه روحك أكثر.
يتبع
