قصيدة للشاعر منير لكماني
من يدها بدأ العمر

منذ ارتجفت قدماي فوق تراب الدهشة
كانت يدها
السلام الوحيد إلى التوازن
أنا الذي خرجت إلى الدنيا
وفي كفها خريطتي
وفي صوتِها
جهتي الأولى
هي التي التقطت رعشة خطوتي
حين تلعثمت الارض تحت قدمي
وقالت للميلاد:
تمهل،
هذا صغيري
يتعلم عبور الضوء
وحين أطل السن الأول
في فمي
ضحكت كأن بستانا
فتح بابه دفعة واحدة
ثم أخذت وجهي
بين راحتيها
كأنها تحفظ قمرا
من عين العابرين
كبرت قليلا
فكانت تمشط صباحي
وتزرع في جيبي
رائحة الخبز
وتربط زر قميصي
بدعوة لا تسقط
ولو سقط العالم
هي التي كانت
إذا عدت مكسور الخاطر
جلست بقربي
لا تسأل كثيرا
فبعض الأمهات
يعرفن من ارتعاش الأصابع
ما لا تقوله اللغات
وإذا فرحت
كانتْ فرحتها أسبق
كأن قلبي
فرع من قلبها
وأن ضحكتي
ماء صعد من نبعها
ثم عاد إليها
في صباي
كانت تراقب وجهي
كما تراقب نافذة
رجوع المساءِ
ترى في عيني
ما لا أراه
وتجمع عن كتفي
غبار الأيام
كما يجمع المساء
أطفاله من الطرقات
وحين اشتد عودي
وتوهمت أنني
صرت أعرف الدروب
كانت تتركني أمشي قليلا
ثم تضع في آخر النهار
على عتبة رجوعي
نورا خافتا
كي لا أضل البيت
كم مرة
أغلقت الباب في وجوه الكلام
وفتحت هي نافذة صدرها
وكم مرة
ضاق بي العالم
فوسعت لي مكانا
بين نبضاتها ودعائها
مرت السنون
وأنا أكبر
بين تجعيدة خفيفة
عند طرف عينها
وبين خيط فضة
تسلل إلى شعرها
فكنت كلما رأيت الزمن
على وجهها
أحسست أن عمري
يعتذر منها
يا سيدتي الأولى
يا ظلي إذا أحرقتني الجهات
يا نبع أيامي
يا المعنى إذا جفت المعاني
كيف لي أن أصف امرأة
كان حضنها
أوسع من تعبي
وكانت إذا نادت اسمي
أحسست أن الله
يواسيني بها
ها أنا اليوم
وقد اشتعل الرأس من السنين
أعود إليك
لا طفلا
ولا فتى
بل عمرا كاملا
يمشي على عكاز الذكرى
ويفتش في صوتك
عن شبابه
كل ما في منك:
هدأتي حين أتكسر
ورفقي حين أقسو
وحنيني إذا ابتعدت
وذلك الميل الغامض
إلى البكاء
كلما سمعت امرأة
تنادي ولدها
بذلك الدفء
الذي لا يشترى
أماه،
ما زلت
كلما ضاقت علي الجهات
أرفع قلبي نحوك
كما يرفع الغريق
يده الأخيرة
نحو نجاة يعرفها
فإن سألوني:
من أين جئت بكل هذا الدفء؟
قلت:
من امرأة
كانت إذا مر التعب على روحي
أجلسته خارج الباب
ودخلت إلي
بالطمأنينة
وإن سألوني:
ما معنى العمر؟
قلت:
أن تبدأَ من يدِ أمك
ثم تطوف الأرض كلها
وتكتشف في آخر المطاف
أن قلبها
كان الوطن الوحيد.
 01/04/26 ألمانيا
