خواطر امرأة

خواطر امرأة

تأملات في رحلة النوم والذاكرة والخيال

     ثريا الطاهري الورطاسي

ملاحظة مدخلية :
في تحد مني لكل الظروف والأعباء الحياتية، وتخلصا من المتطلبات اليومية، وهروبا من تأوهات المرض، أجدني مضطرة الى استراق بعض من الوقت لأخط هذه التأملات، التي أخص بها جريدة/موقع”ألوان” الالكترونية . بعد غياب طويل عن عالم الكتابة والنشر، راجية أن تكون في مستوى تطلعات وطموح الجريدة والقراء الأعزاء.

تقديم أولي

قبل أن يغمرني الليل ويغلق الأبواب على صخب النهار، أجد نفسي أعيش لحظات تتراوح ما بين الانصراف عن الخارج والانغماس في الداخل، فتبدأ رحلة الروح الى عالم خاص. ولا يعود النوم عندي مجرد توقف للجسد عن الحركة، لأنه يتحول الى فضاء حيّ تتقاطع فيه الذاكرة والأحلام والخيال، ويتشكل مساحة تتراكم فيها كل الصور والمشاعر، ويتدفق فيها الفكر الى عمق الذات .
وفي هذه الرحلة الليلية يصبح عندي الصمت لغة والظل مرآة، وكل همسة داخلية اشارة تستدعي الانتباه. فنحن لا ننام فقط لنستريح، بل لنستعيد ولنفهم ونكتشف ما خفي عنا في فترة اليقظة. ولنمد جسور التواصل ما بين الماضي والحاضر والمستقبل. ففي هذا الفضاء الواسع تصبح كل لحظة صغيرة وكل شعور خفي، نافذة الى فهم أوسع للذات أولا وللحياة ثانيا.

1- من الاستسلام للصمت الى فتح أبواب الذكريات

عند أول همس للنوم، أشعر وكأن الجسد ينزل الأرض برفق ، كما لو كان يذوب في السكون. فالهواء في الغرفة ثقيل وخفيف في نفس الآن، يحمل رائحة القهوة من الصباح، وخفوت الضوء الشبيه بالوشاح الهادئ يلف كل الزوايا. فيتعالى الصوت الداخلى مع خفقات القلب ويتنفس الجسد. فتبدأ الروح بالتحليق بلا قيود في رحلة الحلم اللامتناهي. ومع انزلاق الجفون، تتدفق حمولة الذاكرة كتيار خفيف، بجعلني أرى وجوها أحببتها وقد عبرت حياتي، تفاصيل طفولتي وضحكات مراهقتي وشغب شبابي، وصايا والدي ونصائح والدتي، عطر كتبي … وكل الذكريات الماضية تتشابك مع معيش يومي وأنا في خضمه، لتصنع فسيفساء دقيقة من المشاعر تتراوح بين فرح وحزن، غياب وحضور، مألوف وغريب، وكل شيء مترابط بخيط رفيع من المعنى الداخلي. فأصبح سبّاحة في أنهار الأزمنة المتداخلة كنهر متعرج، حيث الماضي والحاضر والمستقبل، كل متشابك لحظات مُشَكٍّلة تجربة فريدة أرى من خلالها الحياة بعيون هي أعمق وأكثر رحابة، وأبعد من كل الأحداث اليومية.

2- من الانغماس في الأحلام الى الحوار مع الذات

حين يغمر النوم كل وعيي، تنمحي الحدود بين الداخل والخارج، و بين الواقع والخيال، فتتحول الأحلام إلى بساط من الرغبات والمخاوف، تمتزج فيها اللحظات المبهجة والمؤلمة، فتتحرك أمامي، فأرى أحداثا لم تحدث،  ووجوها تجمع بين الحقيقة والخيال، وأسمع أصواتا تحمل إلى الروح رسائل الحلم، فتنفذ إلى اللاوعي الذي لا ينضب معينه، فيغدو فضاءً حواريا مع النفس.
يجعلني أواجه أفكارا مخيفة، تشهد على صراعات لم أنتبه لها في اليقظة ، تتجسد أمامي وجوها تحمل حكما صامتة.رموزها وأحداثها الصغيرة تتحول إلى إشارات، غارقة في فوضى داخلية قد تُسْتَعصى على الفهم. فتصير كل لحظة هدوء عبارة عن نافذة لاستيطان أعمق، وكل انعكاس حلمي يغدو فرصة لاستكشاف نفسي وفهم ما أشعر به وحتى ما يمكن أن أكونه .

3 من التدفق بين النوم واليقظة إلى العودة بالمعنى

تَمُوج الحدود بين النوم واليقظة، كأمواج البحر عند الغروب. فتتسلل الصور الحِلْمِية الى مواقف يومية كنت قد عشتها، يزداد معها وعي النفس بذاتها. فتصير لحظة النوم نافذة لرؤية
الحياة من منظور أوسع، ويتحول الخيال إلى مرآة  للوعي، ويصبح الداخل والظاهر تجربة واحدة متكاملة، يتناغم فيها الشعور مع الفهم، والتخيل مع الحقيقة، والوجود الداخلي مع الخارجي. ومع بزوغ الفجر، يعود الجسد تدريجيا الى الواقع، غير أن الروح تبقى حريصة على حمل كنوز الرحلة، من الفهم الأعمق للذات الى اللحظات التي مضت والأحلام التي لم تتحقق بعد. فيصبح النوم مساحة للإبداع وللكتابة التأملية وللاستيطان الذي يفتح نوافذ لانهائية للفكر والشعور.
فكل حلم يصير مفتاحا وكل سكون يكون لغة، فتصير رحلة النوم هي بداية لرحلة تأملية أكثر اتساعا، يمتزج فيها الواقع بالخيال والوعي باللاوعي، فتتشكل أمامي عوالم متسعة من الرؤية، التجربة، التأمل… وكأن الليل نفسه مدرسة للروح. والذاكرة نهر لا ينضب من المعاني، والخيال جسر ينقلنا الى ما وراء اليقين.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com