قصة جديدة للكاتب المصري محمد ياسين القطعاني
الرّئيسةُ والنّائبُ والحَشيشُ

جالِسَةً بِجوارِهِ، باسَطةً قدميها، مُسْدلةً شعرَها الفاحم َحولَ وجهِها الأبيضِ المستديرِ، حاسرةً ثوبَها الشفاف َعنْ فخذيها، تَنْفثُ دُخاناً أزرقَ من فمِها وأنفِها، مدَّ يدَه إليها فمَنَحتْه مَبْسِمَ الأرجيلة، جَذبَ نَفَساً عَميقاً جَعلَ الأرجيلةَ ترتجُّ كأنّها على فُوهةِ زلزالٍ، أخرجَ من فمِه دُخاناً مَلأ الغرفةَ، عبّقها برائحةِ الحشيش ِ.
نظرتْ إليه، لم ترَهُ وَسطَ هذه الغمامةِ الزرقاء، رغم َكتفِه الدافئ الملاصقِ لكتفِها، حملتْها رائحةُ الدّخانِ إلى الوراء، انطلقَ منها عقلُها إلى سنين مَضتْ، صورُ الماضي تَتراقصُ أمامَ عينيها الآنَ.
هي رَئيستُه في إحدى شركاتِ الأغذيةِ، تفردَتْ بِرَجاحةِ العقل، وجَمالِ الوجه، وفتنةِ الجَسد، حازمةً في اتخاذ ِالقرار، تخطّتْ عدةَ مناصبَ وظيفية بسرعةِ فائقة .
رَأسَتْ مَنْ هم أكبرُ منها سِنًا، قادتْهم فانقادوا، فأصْبحَ منهم المُتبرمُ الضجر، ومنهم المُستكينُ الحَذِر، وهؤلاء وهؤلاء يرنونَ إليها بتوجسٍ، رغبةً ورهبةً.
نائبُها في الشّركة عِربيد ٌحشّاش، لكنّه لطيفُ المَعشر، ذَرِبُ اللسان، أغلبُ حديثِه لهوٌ وفُحشٌ، ابتسامتُه لا تفارق مُحيّاه، رغمَ معايبِه فإنّ جَمْعَتَه معَ رفاقِه مُشتهاة، يتشوقُها أصحابُه، الصّالحُ منهم قبلَ الطاّلح، لكلٍ في مُجالستِه غايةٌ وغواية.
تَخطّى الخامسةَ والأربعين، لم يتزوجْ بعدَ وفاة ِزوجتِه منذُ خمسِ سنواتٍ، يُقسِمُ رفاقُه وجيرانُه أنّ ما عَجّلَ بوفاتَها سوءُ ما كانتْ تلقاه منه، يُؤكدون قدرتَه الفائقة على الكَذبِ، وأنّهُ صاحبُ حِيلٍ لا تُضاهى في الخداع والتغرير.
قوانينُه في الحَلالِ والحَرام هو واضعُها لنفسهِ ومُمارسُها في حياتهِ، يبتهجُ حينَ يُوْقع فريستَه تحتَ مَخالبه، يبتئسُ إنْ خذلته حيلُه، فيعاود الكرة بحيلٍ أخرى .
يَهوى أنْ يَنْحَرفَ بالمتزوجاتِ، مُحللاً ذلكَ أنْ لا ضررَ عليهن، يتجنبُ إغواءَ الآنسات خَوْفاً من سوءٍ ما يلحقهنّ عندما يتزوجنَ، أو يَنْكشف مَسْتورهنّ .
المُخدِّراتُ عندهُ حَلالٌ خاصةً الحشيشَ، أمّا الخَمرُ فَحرامٌ، هي عنده أمُّ الخبائثِ وأبوها، له عمّا حلّلَ وحرّمَ حُججٌ يرددُها في جَلساتِ الخِلان عندما تعلو فوقَ رؤوسهم سُحبُ دخانِ الحشيش، تأخذُه النشوى فَيُفتي فيما يَعرضُ لهم في حياتهم وهو يضحك، وعيناه تَجحظان في احمرارٍ، ويرددُ عقِبَ كلِّ فتوى :
– كلامي صحيحٌ، واللهِ صحيح، ويقهقه.
أصدقاؤهُ يَضحكون مُندهشين ممّا يتفوه به من أقوالٍ، فيطَرقون َأكفهَم ببعضها، وأحياناً يَضربون أرجلَهم بالأرضِ مِنْ غرابةِ ما يدعيه .
رَئيستُه في الشّركةِ زوجُها اقتنصها في سِنٍ صغيرة بُعيد إكمال دراستها، وهو الذي يختارُ لها مَلبسَها وصُويحباتها، يُرددُ لها تعاليمَه بعبارتين:
– يجوزُ لكِ فعلَ كذا، ولا يجوز لك قولَ كذا.
عنده لا يجوزُ أكثرُ مِنْ يجوز، يزدادُ تبرمُها مع مرورِ الأيام، أوامره تتكررُ في كُلّ صباح:
ـ ارتدي الِفضفاضَ من الثّيابِ، كوني جادة معَ العَملاء والموظفين.
لا يزالُ جيرانُها يَضربون المثلَ بفتنةِ جَسدِها، وملاحةِ وجهِها، وجيدها الأتلع، وخَصرها النّحيل، وأردافِها التي تسلبُ الألبابَ.
شاربُه كثّ، صوتُه غَليظٌ ، طولُه فارعٌ، ذو مَنكبين عريضين يجعلُك تُوسّع له الطريقَ إذا تقابلتما، لكنّهُ سَليمُ السّريرة، باطنُه غيرُ ظاهره، لم يُكمل تعليمه؛ لتعثره في الدّراسة، لكنّه أكملَ الوجاهة بثرائه، فَرَضِيتْ به حينَ طلبها للزواج، وباركَ أهلهُا تلك الزِّيجة، فجمالُها هو مُنتشلهم منْ العَوَز.
لديه مِن الممتلكاتِ الكثيرُ الذي يُغنيها؛ لم يرضَ أنْ تعملَ إلا بعدَ إلحاحٍ مَصحوب بدلالٍ منها، كانتْ من الأوليات على أتْرابِها عندما تخرجتْ في الجامعة.
أحياناً يستكثرُها على نفسِه، ويرى ذلك في عيونِ الكثيرين، لا يزالُ يتذكرُ نظراتِ الحَسد مِمَنْ حضروا عُرسَه عندما تأبّط يدَها هابطاً منِ صالة العرس قاصداً قصرَهُ.
نائبُها الحشاشُ دائم التّودد إليها، كانَ من جيرانها قبلَ زَواجهِا، وانتقالِها إلى سُكنى المدينة، كانتْ بينهما نظراتٌ، دَوماً يردد عبارته عنْ زوجِها وهو ينفثُ دخانَ الحشيشِ في جلساته معَ رفاقِه:
– (هذهِ الغزالةُ خسارةٌ في هذا الوحش).
ويضيف وهو يَرفعُ رأسَه إلى السّماءِ:
ـ مَتى يأتي اليوم الذي يجمعنا معاً دخانُ الحشيشِ؟
واللهِ سوفَ أجعلُها تودعُ الأرضَ، وتُحلقُ في السماءِ، وتَسكنُ السّحابَ ، ثم يضحك وهو يرددُ:
– واللهِ كلامي صحيح، كلامي صحيح.
نما إليه أنّها نادمةٌ على ما سَلف مِن موافقتِها على الزّواج، ودليل ذلك عدم حَملِها حتّى الآن، لكنّها تخشى أنْ تعود للفقرِ.
لا يزال قلبُه عالقاً بها مُذ كانتْ مراهقةً، يتذكرُها في روحاتِها وغدواتِها ومِشيتها وركضها، وكثيراً ما كانَ يُحدث نفسَه :
– لماذا تَرضى بهذه الحياةِ الجافةِ التي يفرضُها عليها زوجُها ؟
– وكيف يصلُ إلى قلبِها؟
حاولَ التقربَ إليها المرة تلوَ المرة، صدّته وأعرضتْ، لكنّه لا يستسلمُ ما دام يلمح الانكسار في عينيها، يُريد أنْ يؤكد لنفسه أنّه يَسْتطيعُ كسرها خاصةً أنّه خفيفُ الظلِ، وصاحبُ طُرفةٍ ، وهي في صغرها كانت مَرحة ، إذن تجمعنا بعضُ الخصال، هكذا يُطمئنُ نفسَه .
يُكرر لرفاقهِ في جَلساتِ تَعاطي الحشيش عزمَه الإيقاع برئيسته ؛ لأنه مُتيم بها منذُ سنوات، وحتّى تترك يدَه تعبثُ بمشتريات الشركة، فهي جدارٌ صُلب لا سبيلَ لاختراقه، وهو يُريدُ اختراقَه، واختراقَها .
حاجتُه إلى المالِ تزدادُ بازديادِ جلساتِ الّتعاطي، وعروضُ الشركاتِ الموردةِ لشركتِه يَسيلُ لها لُعابُه، رئيستُه هي العقبةُ الكؤود، ألمحَ لها اليومَ أنّ نصيبَها سيكونُ الأكبرُ فعنّفتْه، شعرَ بالإهانةِ، وأسرّها في نفسِه .
من مَكتبِها خَرجَ مقْهوراً، رَغِب في التّخلصِ منْ هوانِه بقضاءِ الليلة مع غانيةٍ يعرفها، إذا طلبَها وجدها لكنّه لم يعثرْ عليها، عرضَ على عاملةِ النظافةِ في الشّركة أنْ تأتيَ دارَه؛ لتَخمّه، وترتبَ أركانَه، العاملة فقيرة تعولُ أطفالاً يتامى، ولن ْتمانع في علاقة، هكذا حدثتْهُ نفسُه .
ذهبتْ إليه كما أرادَ مُستبشرةً ببعضِ ما سيجودُ به عليها؛ تحرشُ بها باللسانِ واليدِ، صدتْه مُستنكرةً جُرأته على شرفها الذي تتوجٌ بها سيرتَها، وسريرتَها، وسمعةَ أطفالِها ،أغراها قائلاً:
ـ سأعطيك منْ المالِ ما يُرضيكِ .
فأجابته غاضبةً : رضا اللهِ يُرضيني .
دُهِشَ من رفضِها، زادَ العرضَ :
– خذي ما يلزمكِ مِنْ مَؤونةِ البيتِ، وما يكفي أولادَك من طعامٍ وشرابٍ.
أجابته في ثقةٍ :
ـ رزقي ، ورزق أولادي ليس مِنْكَ.
كَظَمَ غيظه، هرولَ خارجاً مُتعجباً من قناعاتِها، ومِنْ عِزةِ نفسِها .
في الليلِ تآلف خِلانُ الكَيْف في جَلسة التّعاطي في دارِه وسطَ مزارعِ الفاكهةِ كعادتهم في نَهايةِ كُل أسبوعٍ، حلّقَتْ بهم سُحبُ الدخان إلى عوالم الخيالِ والأمنياتِ.
هذا يَقصُّ حكايةً قبيحةً فاضحة فيضحكون، وذاكَ يُسمعهم صوتَه الغليظَ بالغناء ِفيتصايحون، وآخر يُحدثُهم عنِ رغبتِه في الزواجِ بأخرى، لكنّه يخشى زوجته ؛ لذلكَ يتمنى أنْ يزورَها عزرائيل، تَعلو ضحكاتهم، وتسمعُ اصطكاكَ أكفِهم وأرجلِهم ببعضها وبالأرضِ.
توقفَ عن الضّحك فجأةً، سَحبَ نفساً عميقاً من ( الأرجيلة )، نفثُه في الهواء منْ فمِه مرةً، وأخرى من أنفه مَصحوباً بصوتٍ يُشبه الشّخير، ثم حدثهم بِصَوتٍ مَشروخٍ قاصًا آخر حكاياته مع النّساءِ :
اتفقتُ معَ إحدى النّساء أنْ تأتيني بعدَ أنْ يَهْجع السّهارى، ويسدلَ الليلُ أثوابَه، ثمّ توقف، كأنهُ تذكرَ شيئاً رافعاً رأسه لأعلى مُعجباً بكلمة
( أثوابه)، وأكمل، حدّدتُ لها أجرتَها، فرَضِيتْ، ثم نظرَ إليهم بعينين زاغتين، وأكمل :
ـ أنتم تعلمون أنّي أُعطي الأجيرَ أجرَه قبلَ أنْ يجفَّ عرقُه، ضحك، وأضاف :
أقصدُ يَجِفُ عرقُها، نَعمْ فهي تَعرقُ، وهذا سعيُها على رزقِها، ويضربُ الأرضَ بقدمهِ ويضحك، وأكملَ:
ـ جاءتني ومعها طفلُها الرّضيعُ ، وكلّما عَزْمنا أنْ نَبدأَ بَكى وعلا صوتُه، فتتحولُ إليه وتتركني، كنْتُ قدْ أعددتُ ما يلزم مِنْ زادٍ وزوادٍ، وغير ذلك من الحبوب، فكلُكم يستعملها وقتَ الّلزوم، وضحك، ثم أكمل :
– استمرَّ الحالُ على ذلكَ حتّى انتصفَ الليلُ، كلّما هَمَمتُ بها بَكى، فأخذتني الرأفةُ بالرضيعِ، ونَقَدتُها ما اتفقنا عليه، وصَرفتُها رحمةً بها وبوليدِها، وأكملَ سرْده وهو يحكُ شعرَ رأسه بأناملِه :
أجْزِم أنّ ابنَ هذه العاهرةِ سيكون من الصّالحين؛ لأنّه رفضَ أنْ يكونَ شاهداً على …، وانفجروا جميعاً في ضَحكٍ متواصل، وأكمل :
– لكنني حَسَمْتُ من أجرتها ثمنَ الحبوب التي ابتلعتُها، ولم استفدْ منها، هي وابنُها السّبب، وتعالتْ أصواتُهم، فمنهم مُوالٍ ومنهم مُعارضٌ .
استيقظ في الصّباح ظاناً أنّ رئيستَه نائمة بجوارِه، التفتَ لم يجدْها، حرّك َرأسَه عدِةَّ مرات يَمنة ويَسرة، فقدْ سَكَنتْ عقلَه منذُ ليلةِ أمس، وظلتْ معه في أحْلامِه حتّى الصّباح، تمنّى أنْ يتحولَ الوهم إلى واقعِ، تبسّمَ لهذا التّخيل، وحدّثَ نفسه :
– واللهِ سوف أدللُها، وأجعلُها تُدخن أفخرَ أنواعِ الحشيشِ، واصطحبُها إلى البحرِ، وأجعلُها تتحلّل منِ ملابسها الفضفاضةِ، وترتدي ملابسَ البحر، ونركضُ ونلعبُ، وأكمل :
– واللهِ كلامي صحيح … واللهِ صحيح .
ارتدى ملابسَه، قَصَدَ عملَه، حَملَ بعضَ الملفات ؛ لعرضها على رئيستِه، جلسَ أمامَها مُستكيناً مُطأطئ الرأس، هي تَتفقدُ الأوراقَ، تَمْهَر بعضَها بتوقيعها مُوافقةً، وتَمْهَر أُخْرَى بتوقيعها رافضةً .
انتهتْ من اطلاعِها على الأوراقِ مادةً يدَها إليه لِيأخذَها، لكنّه لم ينتبْه، التفتَتْ إليه، لاحظتْ اصفرارَ وجهِه، واحمرارَ عينيه، سألته سَببَ ذلكَ، نظرَ إليها بعينين مُرهقتين، وقالَ في صَوْتِ مُنهكٍ :
– أستاذة أنا إنسانٌ بَسيطٌ، وأقدسُ الحياةَ الزوجية ،عندي من المال ما يكفيني، وأنا مِن عملي لمنزلي، ومن مَنزلي لعملي، وهكذا فلا صديقَ لي إلا نفسي منذُ وفاةِ زوجتي، وأحرصُ على زيارةِ قبرِها كلَّ يومٍ ، وتنَهد تنهيدةً طويلةً، ثم أضاف :
– كنتُ أرجو أنْ يطولَ عمرُها، وأمتعُها بمباهجِ الحياة، ابتعتُ لها ملابسَ البحرِ قبلَ موتها بيومٍ لأحققَ لها أمنيتها قبل موتها، هناك في وسط الماء أحملُها على كتفي، ألقي بها في الماءِ وهي ترتجفُ، وتضحكُ، وأنا أعاودُ حملَها وألقائها مرات .
حينئذٍ أسْندتْ ظهرَها إلى مَقعدها الوثيرِ مُندهشةً مما تَسمع، أومأتْ برأسِها إليه كي يستمرَّ، تلمستْ عباءتها الفضفاضةَ التي أجبرَها زوجُها على ارتدائها .
طالَ حديثُه، سكرتيرتُها تُعاودُ الاتصالَ بها لإنهاء بعض المعاملات العاجلة، حادثتْها آمرةً أنْ لا تزعجها، وألا تُدخلَ عليهما أحداً ؛ لأنها مَشغولةٌ في اجتماعٍ
أومأتْ إليه برأسِها كي يستمرَّ، أضافَ بصوتٍ مُتهدجٍ :
– أتعلمين يا أستاذة أنّني كنتُ أغضبُ منها أشدّ الغضب حينَ أراها تَرتدي مَلابسَ فضْفاصة داكنة اللون، كنتُ أتوسلُ إليها أنْ تُخرج من خزانة ملابسَها ما يَشفّ ويَحفّ حتى تَسعد بأنوثتها، ثمْ اغرورقتْ عيناه بالدّمعِ، فمدتْ إليه يدَها بمنديل.
أطالتْ النظرَ إليه وهي ساهمة، وحدثتْ نفسَها :
– أنا مَنْ كانتْ تستحقُ هذه الحياةَ ، يا لِسوء حظي !
رَبّعَتْ ساعديها على صَدرها، وامتصتْ منْ الجوِّ شَهيقاً، ثم أخرجته زفيراً مُتأففةً، طالبةً أنْ يُكملَ، فاستطرد:
ـ ذاتَ يوم وجدتُها مُنقبضة الأسارير، فأخذتُها من يدِها مُسرعاً بها إلى ( صالون ) السّيدات، وطلبتُ أن يُجمّلوها كعروسٍ في ليلةِ زفافِها، خرجتْ لي كحوريةٍ من حوريات الجنة، عُدنا إلى البيت، وكانتْ سَهرةً حَمر… ولم يكمل خَجلاً ، وطأطأ رأسه .
تسمعهُ وتَنْدبُ حظَها الذي أوقعَها في زوجها، رمقته وهو يُجففُ دموعَه، وأضافَ :
ـ وفي يَومٍ من فَصلِ الربيع فاجأتها بدراجةٍ ناريةٍ، وأردفتُها خَلفي، وانطلقنا نُسابقُ الرّيحَ وهي تَصرخُ خوفاً، وشعرُها يداعبُه الهواء، فتُغمضُ عينيها، وأنا أسرعُ أكثر .
طلبتْ إليه التوقفَ بلهجةٍ حاسمةٍ بعدَ أن ْأيقنتْ أنّها ستغادرُ الدنيا كما دخلتها إذا ظلتْ خانعةً، أمرتْه بالتوجهِ إلى مكتبِه حتّى، لا تتعطلَ مصالحُ الناسِ .
غادرَ مكتبها وعلى وجَهِه ابتسامةٌ غامضة، ويرددُ بِصَوتٍ خافتٍ :
– كلامي صحيح، واللهِ كلامي صحيح.
في اليومِ التالي تغيبتْ الرئيسةُ عن العملِ، وكذا في اليومِ الثالثِ واليومِ الرابعِ، مع أنّها لم تتغيبْ قطُّ من قبل.
تناثرتْ الأقوالُ أنّ الرئيسةَ على خِلاف مع زوجها، ثم استحكمَ الخلاف، ثم انتقل إلى نِزاعٍ، ثم انتقلَ إلى طلاقٍ مع تنازلها عن حقوقها الزوجية، رجعتْ إلى بيتِ والديها، أخذتْ إجازةً لمدةِ سَنةٍ.
تربّع الآنَ على مَقعد الرئيسة، صارتْ مقاليد الشّركة في يديه، تسابقتْ الشّركاتُ المُوردةُ للأغذيةِ إلى مكتبِه، كثُرَت توقيعاته بالموافقةِ، كثرت ْأموالُه، كثُرت جلساتُ الحشيشِ.
بعدَ أربعةِ أشهرٍ شاعَ خبرُ زواجه، لابد لخِلانه من زيارته وتهنئتِه، ابتاعوا ما يَلزمُ السّهرة َمنْ حَشيشٍ وفَحمٍ ومَزّات، قَصَدوا مَنْزلَه وسطَ أشجارِ الفاكهةِ، وصلوا إلى الغرفةِ مَقر تَعاطيهم ولهوِهم، سَمِعوا أصواتَ ضَحكاتٍ .
فتحوا البابَ فإذا رَئيسةُ الشّركةِ هي زوجتُه تَنْفُثُ دُخانَ الحشيش منْ فمِها وأنفِها، جالسةً بجوارِه حاسرةَ الرأس مُسدلةً شعرَها على كتفَيها بملابسَ ورديةٍ شفافة وتضحك، وتضرب كفاً بكف وترددُ :
– واللهِ كلامُك صحيحٌ، كلامُك صحيحٌ .
محمد ياسين خليل القطعاني الكويت/ مصر
