المَقاماتُ القَطْعانيّة

مقامة ( أبو صفوان المجنون )
( حكاياتُ مُحمّدِ بنِ ياسين عَبْرَ الأيامِ والسنين
كاتِبُها و ناسِجُها: مُحمّد ياسين خليل القطعاني
اعلمْ – رعاكَ الله – أنّ ابنَ حمدين من أصْحابِ الدكاكين في سوقِ العطارين، وعندَه – كما تعلم – لِكُلِ داءٍ دَواء ، لِأنّ عِللَ الأجسادِ والنفوسِ عِندَه سواء ، ويجتمعُ عنده التجارُ والأصحابُ كلَ مساء، يتناقلون أخبارَ السوقِ و البيع والشراء، ويتبادلون أحوالَ الرجالِ والنساء، فلا ضرر ولا ضرار من تبادل الحكايات والأسرار .
وممّا حكاهُ ابنُ حمدين في جَلْسةٍ مع الخلان والإخوان :
أنه جاءَه ذاتَ يومٍ رجلٌ عظيمُ الهيئة، وله هيبة، ولمّا هلَّ عليهِ أكبرَه، وأوسعَ له المكانَ وقدّرَهُ، وبسط له الفراش الوثير وأجلسَه، وقدّم له من الأطايب وأكرَمه، فالرجلُ طويلٌ عريضٌ مجدولُ العضلات، وملامحُه قاسيةٌ شديدةٌ وحادُّ النظرات، تخافُه إذا عليكَ أقبلَ ، وتَحْمَدُ ربَك إذا عنكَ أدبر .
وأضاف ابن حمدين وهو يقلب كفيه، ويلعن السنين :
اعلموا أيُّها الرفاق أنّ الرجلَ لمّا استكانَ في مكانَه، ونزعَ عن رأسه العِمامة، سالَ دمُه من رأسه كالغَمامة، فالدماغُ مَطْعونةٌ، طعنةَ الحاقدِ، وضَربةَ الناقدِ، مع أنّ قامتَه طويلةٌ، كقمةِ الجبالِ، والقدمُ ضخمةٌ، كَخُفِ الجمال، فضمّدتُ جُرحَه، وهدأتُ كربَه، ولمّا اطمأنّ، نظرَ إليّ وقال :
جئتكَ أطلبُ الدواءَ، وألتمسُ الشفاءَ، فالقلب مَنْزوع، والجسد مَوْجوع ، والغريب تَعذّرني، والقريبُ تجهمَني، وبعدَ أنْ كنتُ صاحبَ البضائعِ والصنائع ، صرتُ بين الناسِ المديون الضائع ، فلمّا سألتُه مُتعجباً :
– ما الذي أوصلُك إلى هذهِ الحال ؟
– وأنزلَك هذا المآل؟
وأنتَ الطويلُ الجسيم المُهاب، صاحبُ الخيلِ والركاب، ومثلُك لا يُعاب، وعليك سيماء العز والجاه، والغنى والرفاه، وأكثرتُ له الكلامَ، فشعر مني العتاب والمَلام.
واعلموا ـ أيها الرفاق ـ أنّه لما سمِعَ كلامي، نظرَ إليّ نظرةَ العزيز لمّا ذَلّ، والكثيرِ لمّا قلَّ وطأطأ رأسَه على استحياء،
وقالَ: إليك الجواب :
– أنا (أبو صفوان) التاجر، وكُلُ مَنْ في سوقِ القماشِ يعرفني، والكبير والصغير يَحْشِمُني، وسوف أقصُّ عليك قصتي، فاسمعْ حكايتي :
اعلمْ يا ـ ابن حمدين ـ أنّ هذه طَعْنةُ زوجتي، وضربةُ حَليلتي، وقد تزوجتُها فقيرةً منذُ سنوات، وعاشتْ معي في نَعيمٍ ومَسرات، وأنا صاحبُ تِجارةٍ وخَيرات، وهي ـ والحقُ يُقال ـ على حُسنٍ وجَمال، وحديثُها نعومةٌ ودلال، ومَلْبسُها يَذهبُ بتقوى العابد، وتكسرُها في مِشيتِها يطيحُ بعقل الزاهد، والجسمُ غُصْنُ بان، والوجهُ قمرُ الزمان، وإذا أقبلتْ عليكَ بوجهِها أسرتْكَ، وإذا ولّتْ عنكَ بعجيزتِها سحرتْكَ .
ومرتْ علينا السنواتُ، وفي كُلِ شهرٍ تشتري مِن كَسْبي الحُلي والمجوهرات، وتَكْنِزُ هذهِ النّعم والخيرات، وكُلما رَجَعْتُ إلى بيتي في المَساء، وضعتُ حَصيلةَ بيعِ يومي في إناء، وعندما يكونُ الصّباح لا أجدُ إلا شَطْرَه، وكأنّ النصفَ الآخر طارَ في الهواء، فسألتها عن عِلةِ النُقصان، فأجابتني إجابةَ العالِمِ العليم، الفَطِنِ الفطين، وكأنها حكيمةُ الزمان، ومعلمةُ الغلمان، ورَفعتْ إصْبِعَها في وجهي، وصاحتْ :
– إنّ السارقَ هو الجان، وأكملت الكلام :
– ألا تعلمُ، يا – أبا عيالي – أنّ الجانَ أصنافٌ وأنواع، ومنهم – حَفِظكَ الحافظُ ـ مًنْ هو طويلُ الذّراع، ومنهم الطّالحون السّارقون، ومنهم الصّالحون الأمناء، والمُتقون يأخذون مِن مالِ الأغنياء ؛ ليفرِّجوا كَرْبَ الفقراء .
أما تعلمُ – يا سندي في الحياة الدنيا – أنّهم أممٌ أمثالُنا، مِنهم المقيمون مَعَنا في الديار، ومِنهم الطوافون في الليلِ والنهار، أتكرَهُ أنْ يكونَ مالُكَ زَكاةً عن نفسِك، ودَفْعَةً عن عيالِك، ألا ترى أنكَ في غِنى وعِزة وكرامة، وغيرَك في فقرٍ وحَسرةٍ وندامة، وأضافتْ بصوتٍ كالرعد :
– اشكرْ ربَكَ على نِعَمِهِ، ولا تنسَ ذِكرَه.
واعلموا أيها الرفاق ـ وقاكم اللهُ حِيلَ النساء ـ أنّه أكملَ كلامَه، وقال :
ـ زوجتي بعدَ أنْ ألْجَمتْني بجميلِ كلامِها، وحُسنِ حديثِها، فإنني – واللهِ – أكَذِّبُ كلامَها، ولا أصدقُ مقالَها، ولكنني مُجبرٌ على الإذعانِ، والرضا بِما كان، فهي طويلةُ اليد، سليطةُ السرد.
واعلموا أيها الرفاق أنّ الرجلَ لما شاهدَ على مُحيّاي التعجب، وأنّه في نظري مُغيب، أكمل بيانه، وانطلقَ لسانُه، فقال :
ـ دَبّرتُ لأمري، وفكرتُ، واحتلتُ، وتصنعتُ الرّهَقَ والنوم، فوجدتُها مِن جِواري في الليلِ تقوم، وتنهبُ شطرَ ما في الإناء، وتدسُهُ في وِعاء، ثم في حُفرةٍ في آخرِ الدارِ تَدْفِنُه، فلا إنسٌ ولا جان يعلمُه.
ورَضيتُ بالحال، ومرت السنواتُ على خَيِرِ مِثال، فعندي الزوجةُ ،والبيتُ والعيال، وفجأةً ضاعتْ مني راحةُ البال، بعدَ أنْ كَسَدتْ تِجارتي، وساءَتْ حالتي، فاقترضْتُ من القريبِ والبعيدِ والجار، والسوقُ – كما تعلم – لا تَرحم، فهي وحشٌ غدار، ولا مكانَ فيه لمن خَسِرَ الدرهمَ، أو الدينار.
واعلموا أيها الرفاق ـ حماكم رب الأرض والسماء ـ أنني مَنَحْتُ أذْني للرجل ليكملَ قصته، وأنا شغوف بما تكون عليه نهايتُه، فهززتُ رأسي أمامه، فعرَف أنني أريدُ كِمالةَ بيانِه، فاستبشرَ، واستنارَ، وقال :
– اعلمْ يا ابنَ حمدين أنّ نفسي حدثتني أنْ الجأ إلى زَوْجتي فهي عِشرةُ السنين ومنها أسْتدين، فهي لي الحِصنُ المَكين، والمالُ عِندها وفير، وهي مِنْ خَيري أكلتْ، وشِربتْ، ولَبِسَتْ، وفي وعائِها المدفونِ كَنَزَتْ، ولن تتركني بعدَ أنْ الناسُ عني بَعُدت وفَرّت .
واعلموا ـ أيها الرفاق ـ أنّه أكملَ حديثَه بعدَ أنْ وجدَ في عينيّ الاشفاق فقال :
– إّنني لمّا فاتحتُها في الأمرِ، تغيّر وجهُها واصفرّ واخضرّ، ووضعتْ يدَها على خَصْرِها، ومالتْ، ولَوَتْ رجلَها، ونحَّتْ على جَنْبٍ أردافَها، وبحلقَتْ، وعلا صوتُها، وتَبدّلَ سَمْتُها، وكنتُ أظنُها تفزَعُ لحالي، بعد أنْ خَسَرتُ تجارتي، وهلكَ رأسُ مالي، ففاجأتني بقولِها :
– من أينَ لي المال ؟
فلا تِجارةَ لي ولا حَلال، ولو كانَ معي لأعطيتُ، فأنتَ زوجي، وربُ البيت، وبدأتْ تبْكي لحالي، وتَذْرِفُ الدموعً الغوالي، وتلطمُ الوجهَ، وتقْرعُ الرأسَ، وتلعَنُ حظَها النّحس، وأضافتْ في وَعيد، وتَهْديد، وبصوتٍ شديد :
– سأذهب في الصّباحِ لبيتِ أهلي، هُمْ أولى بي من نفسي، وحتى أخفّفَ عنك حِملي؛ كي لا تَحْملَ هَمْي، وأكفيكَ أكلي، وشُربي، وبقيةَ أمري.
فَحدثتني نفسي ـ يا ابنَ حمدين ـ :
– إنّها ستأخذُ المالَ الذي في الوعاء، وإنْ لم أسبقْها فسوفَ أصبحُ من الفقراء، ويشمتُ فيّ الأعداء، ويُعيرُني الغوغاء، وسوف يُقسّمُ القاضي ( أبو السرحان ) تجارتي قِسمةَ الغرماء.
واعلمْ يا ـ ابنَ حمدين ـ أنني قُبيلَ الفجرِ تسللتُ مِن مَخدعي نحوَ الوعاء، وأنا أدعو ربَّ الأرضِ والسماء، فهي تَكْنِزُ فيه كُلَ ما عندها من أشياء، فَأخذتُ ما فيه من مالٍ وجواهر، فقد كان الإناءُ بالخيراتِ زاخر، وقضيتُ ما عليّ من ديونٍ، وشكرتُ الربَّ في عليين.
واعلموا ـ أيها الرفاق ـ أنه أكمل حديثه فقال :
– لما عُدتُ مِن دكاني إلى بيتي في المساء، وجدتُها في انتظاري، وفي يدِها هِراوةٌ طويلةٌ مَلساء، ونظرتْ إليّ في ازدراء، وقد تغّيرَ سمتُها، فما عرفتُها، وَرَمَقتني بعيونٍ غاضبة، فهي عليّ حاقدة، وفي يدِها الهِراوة، وتنظر إليّ في احتقار، وَكِدْتُ من شرِ عيونها أنهار، واختلَّ عقلي مني:
– هل أنا في الليل، أم في النهار؟
وصرختْ في وجهي، واخترقَ صوتُها طبلةَ أذني، بصوتٍ كالرعد :
– أين مالي أيُها الوغد ؟
وأزْبدَتْ، وأرْغَتْ، وأرْعدَتْ، فقلتُ لها ـ كما أخبرتني من قبل ـ :
– الجانُ هو من سَرقَ المال، فكما تَعْلمين يا ـ أمّ العيال ـ مِنهم الصالحُ، ومنهم الطالح ، ولمْ أكْملِ المقال، فقاطعتْني، وأسكتتني ، وصَرختْ :
– ثكلتْكَ أمُك يا بنَ الخرقاء، أتحسَبُني امرأةً حَمْقاء، فلا تصدقُ حكاياتِ الجانِ إلا امرأةٌ بَلْهاء، وربِّ الأرضِ والسماء إنْ لم تُعدْ إليّ مالي لأُقطَعَنّ منكَ الوتين، ثم أُثنّي بِقَطعِ يَدِكَ اليمين، وأجعلُكَ عِبرةً للعالمين.
واعلموا ـ أيها الرفاق ـ أنه استطرد وأضاف :
– إنني لمّا وجدتُ الشرّ في عينيها مُسْتعر، والسِّباب من فمِها مُنْهمر أنكرْتُ، وأقسمْتُ، وتبرأتُ، وما هي إلا لحظات، إلا وكانتْ هِراوتُها تشقُ الرأس، وكأنها طعنتَني بفأس، فسالتْ مني الدماء، كأني ذبيحةٌ في فِناء، وأصابني التعبُ، وحلّ بي النّصب، وما أنقذني من يدِها إلا الجيران، بعد أنْ علا صُراخي، وتقطعتْ أنفاسي، وأذلني الهوان .
واعلموا أيها الرفاق – متّعكم اللهُ بالعقلِ – أنه مَرّ على تلك الحكايةِ شهرٌ، وعلمْتُ بعد ذلكَ أنّ الزوجةَ اشتكتْ زوجَها لقاضي القضاة ، وادّعتْ أنه سرقَ مالَها، ونهَبَ حلالَها، وأنّها تطلبُ الطلاق، فلا أمانَ لزوجِها، ولا مِيثاق، فقد أصبحَ في نظرها من السُّراق، ولا حَلّ لها إلا البُعد والفِراق.
ولمّا سَمِعَ القاضي قوْلَها، وشاهدَ حُسنَها ودلالَها، وأقنعتْه بلِينِ كلامِها، وأوجعَه غزيرُ دموعِها، رَقّ لحالِها، فحكمَ لها قاضي القضاة (أبو السرحان) بالطلاق، وتمليكِها البيت والدُّكان، وما يملكه الزوج من العمران، ورفضَ ما تعلّلَ به زوجُها (أبو صفوان) من ذرائعَ ، فلمّا سمِع زوجُها حكمَ القاضي، طارَ عقلُه ، واختلّ كيانُه، وهامَ على وجهِه في الوديانِ والبراري ، ولا يُعلم له من يومها مَكان، وأصابَه الجنونُ والهَذيان .
واعلموا – أيها الرفاق – أنني شاهدتُ الرجلَ بعدَ مرور شهرين ، مُمزقَ الثياب، ولا يُحسنُ الخطاب، وشعرُه مَنْكوش، كأنه رِيشٌ مَنْفوش، ويحملُ عصا خشبية، ويركبُها، ويظنُّها من الدوابِ، وأطفالُ الحي يطاردونُه مُطاردةَ الكلاب، وينادونُه (أبو صفوان) المجنون، وهو منهم يَفِرُّ فِرارَ الصحيح من الجربان، ويهذي، ويقول :
– أم صفوان سرقتْ الدكان.
وإلى هنا أتوقف عن الكلام، وألقاكم في القادم من الأيام . وعليكم السلام.
محمد ياسين خليل القطعاني: ( مصر /الكويت)