خواطر امرأة

خواطر امرأة

تيكشبيلة توليولة…!

عن حسن اوريد وروايته ” المورسكي “
حسن اوريد : كاتب ومؤرخ مغربي، يعتبر من الأسماء البارزة في الأدب المغربي المعاصر، له العديد من الروايات والأعمال الأدبية، التي تتناول مختلف المواضيع
الإجتماعية والثقافية والسياسية. وقد شغل مناصب عدة، منها الأكاديمي والإداري، بمافيه الناطق الرسمي للمملكة. ويعتبر من الأصوات التقدمية التي لها تأثير كبير في حقل الفكر والثقافة.
المورسكي” من أشهر رواياته، صدرت في 2010 متناولا فيها مسألة التعايش الثقافي والديني في التاريخ المغربي، ومركزا على الفترات الزمنية التي شهدت تواجد
” المورسكيين”وهو مصطلح يشير الى المسلمين الذين أجبروا على التحول إلى المسيحية في اسبانيا بعد سقوط الأندلس.
يتميز أسلوبه في هذه الرواية بالقدرة على استحضار التاريخ وربطه بالواقع المعاصر، ويحكي قصة المورسكي ” سالم بن عبد الله ” الرجل المسلم الذي أجبرت عائلته على التنصر، لكنه ظل متمسكا بهويته الإسلامية سرا، وعانى من صراع بين هويته الأصلية والواقع الجديد المفروض عليه، وهو مايعكس مأساة النفي والاضطهاد التي عاشها المورسكيون .

————————

توطئة تاريخية :
ان ذكرى الأندلس ستبقى حية في الذاكرة الجماعية سواء عندنا نحن جيل الستينات بحمولاتها السياسية وتراثها الغنائي أو لدى الأجيال السابقة بمفهومها التاريخي الواسع، فقد كانت مأساة عاشها المسلمون واليهود – على حد سواء – في تلك المرحلة، المعروفة ب ( استرجاع الأندلس ) ، خاصة بعد أن أضاعها المسلمون، وضاعوا معها بين ثنائية الواقع المعاش والاحتفاظ بالدين والمعتقد، ومعاناتهم مما فرض عليهم، وما كابدوه من ظلم وبطش بعد سقوط الأندلس. وتبني المرسوم الذي فرض على المورسكين سنة 1566 بالتخلي عن استعمال اللغة العربية في أجل أقصاه ثلاثة سنوات ليس إلا، وسنة واحدة للتخلي عن الثياب الحريرية، وسنتان للابتعاد عن استعمال الثياب الصوفية، وفتح أبواب المنازل أيام الجمعة والأعياد والأعراس حتى لاتقام الشعائر الإسلامية “وهي عادة لازالت في بعض المناطق الريفية التابعة لمدينة غرناطة إلى يومنا هذا – وهو ماعاينته في إحدى زيارتي للمنطقة – لأن أصولهم اندلسية “. كما منعت النساء من استعمال الحناء واعتماد الأسماء المورسكية. وبموجب هذا المرسوم الظالم هدمت الحمامات الخاصة والعامة، وغيرت معالم جل المساجد، وعوضت جواميرها بالصلبان – جمع صليب – .
وبذلك كان المورسكيون ضحايا تلك التعنتات والأحكام الجائرة، وكل أشكال التطهير العرقي للكنيسة الكاثوليكية، وكانوا إرهاصا لما سوف تعيشه شعوب مسلمة ، عاشت في ظل الحضارة الإسلامية، وما المأساة الفلسطينية إلا نسخة من مأساة المورسكين، أو مسلمي البوسنة، أو الأرمن أمام تعنت الأتراك – وللتأريخ نقول بأن أزمة الأرمن طواها وأحاط بها النسيان – ولم يلتفت التاريخ الى مأساتهم، ولا أنصفهم المؤرخون .
ولعل ماعرفه جيلنا عندما كنا أطفالا – في غياب التكنولوجيا انذاك – هو ما كنا نلعبه ونتغنى به دون فهمه .
لقد غادر المورسكيون الاندلس في وضعيات صعبة ومهينة، بعد أن اشتد التنكيل بهم وكثرت اهاناتهم ” الارغام على شرب الخمر، وترك الديار والممتلكات والاموال ” فكان طريقهم محفوف بالمخاطر اتجاه شمال افريقيا عامة وبلاد المغرب خاصة .
املين في ايجاد السند والعون عند أحمد المنصور الذهبي خاصة بعد الانتصار الكبير الذي حققه في معركة “وادي المخازن ” . مستغلين الفراغ العسكري البحري للدولة السعدية، ومُشكلين “حركة الجهاد البحري ” في كل من الرباط وسلا التي كان مجتمعها يتكون من” الهورناتشيون ” سكان القصبة وأصحاب المال والنفوذ، وليبقى الاندلسيون من بسطاء القوم وأصحاب المهن والحرف التقليدية .
لقد كان الأمل كبيرا في الرجوع إلى الأندلس، خاصة عند العلماء وأكابر القوم الذين لم يستطيعوا تجسيد أي انتماء وكأنهم عملة لم تعد متداولة ولاقيمة لها في المجتمع المغربي، وهنا يحضرني اسم ” أحمد بن قاسم الحجري الغرناطي الأندلسي” الملقب  ب ” شهاب الدين أفوقاي ” الذي كان يشغل مهمة الكاتب عند أحمد المنصور، وهو من عاش مثالب محاكم التفتيش في الأندلس ومساوئ الجهاد الأصغر بها، ثم عاش الجهاد الأكبر وهو يتابع المشهد السياسي دون الخوض فيه لأن وضعيته كمنفي تفرض عليه ضرورة لزوم الحياد وليس عليه إلا الاحتكام للزمن أو حكم التاريخ خاصة بعد وفاة أحمد المنصور وفي ظل انقسام المغرب وظهور أمراء متهتكين على شاكلة المأمون الذين يبيعون بلدهم وبالأحرى الأندلس مقابل متع صغيرة ، ويازرهم في غيهم العلماء الذين يبررون أفعالهم ، وهنا نشير إلى ظهور شخصيات تاريخية متميزة أمثال ” أبي محلي” الذين استغلوا الدين ودعوا للجهاد مستغلين مجون أمراء تنخرهم الخلاعة والدناءة .


خواطر امرأة: 

في كتاباتها الأسبوعية تحت عنوان خواطر امرأة، اختارت  الأستاذة ثريا الطاهري الورطاسي  أن تكتب عن خاطرتها المستوحاة من الرواية التي قدمنا لها أعلاه، لما لها من أهمية تاريخية.

نترك قراء ومتتبعي جريدة وموقع ألوان يتابعون القراءة…

خاطرة اليوم استوحيتها من أغنية قديمة مازالت تتردد في الكثير من المناطق المغربية، وهي حاضرة في الخيال الشعبي، نرددها جميعا، كلما أردنا أن نحلق بعيدا عما نعيشه ، ونلجأ اليها بين الحين والآخر، أو كلما دعت الضرورة ذلك .
وأنا أقرأ كتاب “المورسكي” لمؤلفه حسن أوريد، شدتني كثيرا الصفحة 106 لهذه الأغنية التي عادت بي إلى أيام الدراسة الجامعية بكلية الآداب، بمدينة فاس العريقة. شعبة التاريخ اواخر سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته، وقد جاءت باللسان العامي المغربي :
[ تيكشبيلة توليوله ما قتلوني ماحياوني
غير الكاس لعطاوني الحرامي مايموتشي
جات خبارو في الكوتشي ]
 أغنية كنا نغنيها ونحن أطفال، نشبك أيدينا في أيدي بعضنا بشكل متقابل ، ونردد مغنين باللسان العامي – اللهجة المغربية – عن مدينة “إشبيلية ” الاندلسية، دون أن نفهم المعاني المروجة أو ما توحي به من دلالات إشبيلية،  التي تبكي، تولول صادحة، لم يقتلوني ولم يحيوني (ماقتلوني ماحياوني ). هنا يتحدث المؤلف “حسن أوريد” عن المورسكين قائلا بأنه لم يكن لهم أي سند يرتكزون عليه بعدما جعلهم القشتاليون لقمة سائغة لهم، فلا الأتراك ولا السعديون هبوا  لمساعدتهم في نكبتهم تلك، فكانت النتيجة وليدة الداء العميق، المتجلي في طردهم وتشتيتهم .
وأثناء هذا التهجير المر من بلاد الأندلس، ظهرت هذه الأغنية، المعبرة عن قسوة معاناتهم قبل وأثناء الطريق، وفيما يلي أسوق معاني الالفاظ الواردة بها :
تيكشبيلة ” ويعني تلك إشبيلية……
توليولة ” حين تولوا اليها أي عندما ترجعون إليها.- وهو ما لم يحدث.
ماقتلوني وماحياوني” من كثرة العذاب الذي فرضته محاكم التفتيش بمقتضى مرسوم 1566 فان المرحلين منها ليسوا بالأحياء ولا هم بالأموات ( فقبل الطرد فرض عليهم فتح أبواب المنازل أيام الجمعة والأعياد وحفلات الأعراس واعتماد الأسماء الإسبانية و… و… و … ومالى ذلك من مظاهر التنكيل والاساءات الناجمة عن التطهير العرقي )
غير الكأس اللي عطاوني” : وفي ذلك دلالة على ارغامهم على شرب الخمر من أجل السماح لهم بالعبور إلى بلاد المغرب…..
الحرامي ما يموتشي” هو تعبير مجازي عن شدة التعذيب ووصف الاسبان (بولد الحرام ) لقوة بطشهم وتنكيلهم بالمهجرين ، بهدف استرجاع بلاد الأندلس…
جات خبارو في الكوتشي” وهنا تقصد الأغنية، الأخبار التي جاء بها هؤلاء وهم يركبون العربات المعروفة انذاك ب”الكوتشي” في اتجاه بلاد المغرب، خاصة مدينة مراكش، حيث كان أملهم كبيرا في السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي، لمساعدتهم من اجل استرجاع الأندلس، علما أن المغرب – آنذاك – كانت له سمعة دولية بعد انتصاره في معركة وادي المخازن، ولكن للأسف خاب ظنهم فيه، بعدما منوا النفس بمساندتهم ودعمهم في استرجاع بلاد الأندلس.
وقد ذكرها”شهاب الدين ” – وهو مورسكي – أصبح كاتبا للمنصور السعدي ، عندما كان قرب منطقة ” أوريكة ” بمراكش حيث سمع صبيات يتغنين بهذه الأغنية ، وتزامن ذلك مع ذكرى الأندلس باعتبارها لازالت حية في الذاكرة الجماعية ،لذلك الركن البعيد عن مدينة إشبيلية فانتشرت – الأغنية – بسرعة فائقة في جميع المناطق المغربية ، وصار يٌتَغنى بها، ولازالت إلى اليوم ضمن الترات الشعبي الساكن بالقلب والذاكرة .

ثريا الطاهري الورطاسي
طنجة المملكة المغربية

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *