شهد مطلع القرن الحادي والعشرين تصاعدًا ملحوظًا في تداول مصطلح الميكرو نوفيلا (Micro-novel أو Micro Novella) ضمن الأوساط الأدبية والنقدية العالمية، في محاولة لتوصيف شكل سردي مكثف يقع ما بين القصة القصيرة والرواية التقليدية. ورغم حداثة الاصطلاح، فإن الشكل ذاته يملك جذورًا أعمق تعود إلى تجارب سردية ظهرت خلال القرن العشرين، بل وتبلورت ضمن تيارات الحداثة المتأخرة، خاصة في سياقات الأدب الإقليمي بين الحربين.
من أبرز الإسهامات في تأصيل المصطلح، ما جاء في الدراسة الأكاديمية للباحث ديفيد جيمس بعنوان:
“Localizing Late Modernism: Interwar Regionalism and the Genesis of the Micro Novel” والتي نُشرت عام 2009 في Journal of Modern Literature.
يُحلل جيمس في هذا المقال الكيفية التي ساهم بها تقاطع الحداثة الأسلوبية والتفاصيل المحلية في إنتاج شكل روائي جديد يتميز بالتركيز، والتكثيف، والانزياح عن البنية الروائية التقليدية، وهو ما أطلق عليه مصطلح الميكرو نوفيلا. يرى جيمس أن هذه البنية السردية أصبحت آنذاك وسيلة لتجسيد التجربة المحلية ضمن خطاب حداثي عالمي.
الرؤية في السياق العربي:
في الفضاء العربي، بدأت المقالات النقدية والمؤلفات تتناول “الرواية القصيرة جدًا” منذ أوائل الألفية، سواء عبر الترجمة أو عبر محاولات تنظيرية محلية.
د. عبدالإله الصائغ
في الفضاء العربي، بدأت المقالات النقدية والمؤلفات تتناول “الرواية القصيرة جدًا” منذ أوائل الألفية، سواء عبر الترجمة أو عبر محاولات تنظيرية محلية.بالبحث عن المصطلح سنجد مقالة مهمة للناقد العراقي د. عبدالإله الصائغ بعنوان (فليحة حسن هل بشَّرت برواية قصيرة جدا) يحلل فيها رواية نمش ماي لفليحة حسن ويشير بأنها تبشر بالرواية القصيرة جدًا، هذه المقالة نشرت في عام 2010 وأشار في مقالته إلى الرواية القصيرة جدًا قادمة مصطحبة معها مبدعيها ونقادها ووسائلها لنجومية الجنس الجديد، أي يقصد نجومية الجنس الجديد في العراق أو العالم العربي ومثل هذا الرأي من ناقد يأتي بمثابة تحليل بأن وعينا الإبداعي العربي، نجد أن أستاذنا عبدالإله الصائغ يعي جماليات هذا الفن الموجود أصلاً ولم يقل الصانع أنه مخترع المصطلح ومكتشفه لمعرفته بجذوره العريقة التي تمتد لعقود طويلة جدًا.
الأنواع أو الأجناس الأدبية لا يخترعها أشخاص كونها تولد عبر مخاضات إبداعية ونقدية ونقاشات في مختبرات إبداعية وأكاديمية.
وقد لاحظنا، من خلال مشاركات بحثية وميدانية – من بينها تنظيم ثمان ندوات نقدية متخصصة ضمن المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح – أن المصطلح ما زال يُواجه لبسًا بينه وبين القصة القصيرة جدًا (Microfiction / Flash fiction). كما يعاني من الاهمال النقدي أو التبجيل المبالغ فيه لكتابات هزيلة وضعيفة. أحد أبرز التحديات التي تواجه نضوج هذا الجنس الأدبي عربيًا، هو انتشار النقد المجامل أو المُطوّع، حيث يتحوّل بعض الكتّاب إلى “روّاد ذاتيين”، المفروض ألا نرفض أي قراءة بنيوية أو تحليلية جادة لأعمالنا. وفي إحدى التجارب، أدى عرض ملاحظات فنية على بنية إحدى الروايات القصيرة جدًا إلى ردّ فعل انفعالي من المؤلف، الذي جمع لاحقًا مقالات مدح انتقائية، ونشرها في حجم كتاب يروّج لذاته بوصفه “المخترع الأوحد” لهذا الفن، متجاهلًا أعمالًا حديثة وتجارب نوعية موازية وتجارب كثيرة سبقته بسنوات.
دعوة إلى التعدد والنقد الصادق:
من الضروري التأكيد أن تطوّر أي جنس أدبي – ومنها الميكرو نوفيلا – لا يقوم على التهليل ولا على الاحتكار، بل على تعدد التجارب، وتنوّع الأساليب، ونقد صادق غير خاضع للمجاملات. فالريادة لا تُمنح بالمطالبة، بل تُؤسّس على وعي إبداعي، وقراءة مقارنة، ومرجعية معرفية حقيقية.
إن الميكرو نوفيلا أي الرواية القصيرة جدًا ليست شكلاً طارئًا ولا اختراعًا حداثيًا معزولًا، بل هي تطور طبيعي في المسار السردي الإنساني، يجمع بين الاقتصاد اللغوي، والعمق الدلالي، والتحوّل الجمالي. وهي، في السياق العربي، بحاجة إلى قراءة نقدية أكثر اتزانًا، تتجاوز الإعجاب والانبهار، نحو بناء مرجعية تراكمية حقيقية تُعلي من جماليات النص لا من هالة المؤلف.
في التجربة العربية، كثيرًا ما يُساء فهم الميكرو نوفيلا والأنواع الروائية الوجيزة والمكثفة، أو يتم التعامل معها بوصفها “اختراعًا”، أو “قفزة جمالية غير مسبوقة”، دون الرجوع إلى نماذج عالمية سابقة مثل الكاتب الأمريكي جون شتاينبك والكاتب الروسي أنطون تشيخوف وعشرات الكتاب والكتابات حول العالم وبعشرات اللغات، عدم أو ندرة وجود مصادر باللغة العربية حول الفنون الروائية الوجيزة والمكثفة والقصيرة جدًا، هذه مشكلتنا وليست مشكلتهم، من المفروض أن نسعى ونصحح جهلنا بالكثير من التطورات العالمية المذهلة في عالم وفنون السرد وهنا يجب أن تعي مؤسساتنا النقدية والأكاديمية والهيئات الإبداعية أن كل شيء في هذا العالم يتغير بسرعة مذهلة وأن التقاليد والمناهج القديمة التي يتمسكون بها تساهم في تعميق الجمود والتخلف الإبداعي.
كما يمكننا مراجعة أعمال عربية بديعة موجزة ومكثفة، بعضها تم نشرها تحت أسم قصة ثم بدأ النقاد بوصفها بصفة نوفيلا ويعتبرون هذا كافيًا كون النوفيلا الحد الفاصل بين القصة والرواية ويمكن أن تكون من ثلاثة ألف كلمة وتصل إلى عشرين ألف كلمة، يرى البعض أن التقسيمات الشكلية لا تغني ولا تضر وعلى المبدع أن يهتم بنصه ويبدع فيه ويدع التصنيفات للنقد، هناك قضايا كثيرة جديرة بالنقاش بروح إبداعية وألا يفرض علينا أي شخص نفسه كرائد ومخترع لهذا النوع أو غيره فالأنواع والأجناس الأدبية لا يخترعها شخص وتولد نتاج حراك ونشاط إبداعي ونقدي متنوع وقد يأخذ سنوات أو عقود لكننا مع مصطلح الرواية القصيرة جدًا لا نحتاج لمخترع لأنها موجودة وولدت منذ عقود طويلة.
Related
Zahra
زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم.
Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian
Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic
language. (French)
هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر.
رابط الموقع: Alwanne.com
للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com