العيد في اليمن السعيد

العيد في اليمن السعيد

العيد في صنعاء القديمة .. طقوس لا تموت رغم المعاناة

محمد المخلافي

​يقول المواطن عبدالله القاضي، أحد سكان صنعاء القديمة: (في السنوات الأخيرة، وتحديدًا هذا العام، أصبح عيد الفطر عبئًا كبيرًا على الأسر بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد وانقطاع الرواتب لسنوات طويلة).

فعيد الفطر في اليمن له طابعه الخاص، حيث تتجلى فيه أصالة الثقافة اليمنية وعاداتها المتوارثة، فهو مناسبة يلتقي فيها الأقارب، وتتبادل فيها التهاني، ويقضي الناس أوقاتا جميلة مع الأهل والأصدقاء.

        الطفل كنان المخلافي

​أتذكر قبل الحرب كيف كنا نستعد للعيد بشراء الملابس الجديدة قبل رمضان، ومع اقتراب العشر الأواخر، كنا نختار بعناية (جعالة) العيد من المكسرات والحلويات. ومع حلول أيام العيد، كانت الحدائق تمتلئ بضحكاتنا، وأحيانًا كنا نخرج خارج مدينة صنعاء لنستمتع بجمال الطبيعة الخلابة في بني مطر والحيمة والأهجر وغيرها من المناطق. وفي بعض السنوات، كنا نقضي إجازة العيد على شواطئ عدن أو الحديدة.

​رغم كل هذه المعاناة، تحاول الكثير من الأسر خلق أجواء العيد بما تيسر لها، محافظة على روح المناسبة حية في بيوتها، ليشعر الأطفال ببهجتها. وفي صنعاء القديمة، يظهر هذا التمسك بالعيد بوضوح؛ فرغم قلة الإمكانيات، لا يتخلى أهلها عن عاداتهم التي لها نكهة خاصة، وكأنها جزء من طقوسهم الدينية، فتشعر كل أسرة أن العيد قد حل وأقبلت أيامه بالفرح.

​مع دخول الأيام الأخيرة من رمضان، تبدأ البيوت في صنعاء حالة من الحركة التي لا تهدأ، تنظيف مستمر، غسل للمفارش، وترتيب لكل زاوية في البيت، وأحيانًا يصل الأمر إلى طلاء الجدران بالجص أو الرنج. يستمر هذا العمل يوما بعد يوم حتى ليلة العيد، وكأن البيت كله يريد أن يظهر في أفضل حالاته، بينما تردد النساء: (خلو العيد يجي والبيت نظيف)، في سباق محموم مع الوقت.

​وفي الوقت ذاته، تبدأ رحلة البحث عن الملابس التي لم تعد سهلة كما كانت، إذ تركز كثير من الأسر على شراء ملابس الأطفال فقط وتؤجل احتياجات الكبار، ففرحة الأطفال وحدها تكفي لتملأ البيت ببهجة مؤقتة. وإلى جانب ذلك، يبدأ تجهيز (جعالة العيد)، وهي ما يُقدم للزوار من مكسرات وحلويات، وتختلف محتوياتها من بيت لآخر حسب القدرة، فهناك من يشتري اللوز والفستق والشوكولاتة، وهناك من يكتفي بالقليل، لكن لا يخلو بيت من شيء يُقدَّم، كما تتفنن النساء في إعداد الكعك المنزلي بأنواعه، ليكون للبيت طابعه الخاص في الاستقبال.

​تبقى شوارع صنعاء صاخبة وعامرة بالحياة حتى آخر أيام رمضان، حيث تمتد الحركة وتعلو أصوات الناس حتى الفجر. ومع حلول أول أيام العيد، يتحول المشهد بشكل مفاجئ؛ ففي حدود الساعة التاسعة مساءً، تبدو المدينة شبه خالية، يسودها هدوء يكتنفه الظلام، وكأن كل شيء توقف للحظة. لقد خرجت عند التاسعة والنصف مساءً في أحد شوارع صنعاء، والتقطت صورة توثق أولى ليالي عيد الفطر وتلك السكينة الغريبة.

​أما في فجر يوم العيد، فتكون النساء قد سبقن الجميع إلى الاستيقاظ لإعداد فطور العيد أو ما يُعرف بـ (الصبوح)، خبز دافئ يُسمى (السبايا) يُرش بالعسل والسمن البلدي، ومعه قهوة القشر التي تعبق رائحتها في البيت، وفي بعض البيوت يُضاف اللحم أو الكبدة حسب الإمكانيات. يخرج ربّ الأسرة مع أولاده إلى المسجد، وكل واحد منهم يلبس ما تيسر له. في صنعاء، يغلب الثوب الأبيض، ومعه الكوت والجنبية والشال، في مشهد يعكس هوية المكان. وبعد الصلاة، تبدأ المصافحات وتعلو التهاني، قبل أن يعود الجميع لتناول “الصبوح” والاستعداد ليوم طويل من الزيارات.

​تبدأ زيارات العيد، أو ما يسمونه (السلام)، منذ الصباح، حيث تكون النساء قد جهزن المجالس ورتبن الجعالة والكعك، وأعددن القهوة والشاي والبخور. يأتي (المعيدون)، وهم الرجال الذين يزورون أقاربهم من النساء، يجلسون لدقائق معدودة لأن أمامهم زيارات كثيرة، وتسمع أصوات الترحيب والعتب الخفيف: (مالكم مسرعين؟ ما قد ابسرناكمش!)، وفي المقابل يرد أحدهم: (باقي معنا بيوت خيرات). وفي هذه العجلة، لا تخلو اللحظات من مواقف طريفة؛ قد تنسكب القهوة أو تسقط المبخرة، لكن كل ذلك يمرّ وسط ضحك خفيف. وقبل مغادرة البيت، يخرج المعيدون العسب (العيدية) من جيوبهم ويعطونها للأطفال، وهي اللحظة التي ينتظرها الصغار بشغف، حيث يتنقلون من بيت لآخر وهم يحصون ما جمعوه من مال. وفي البيوت التي لا تسمح ظروفها بتقديم المال، تُملأ جيوب الأطفال بالحلوى والمكسرات، وهو ما يكفي لصناعة فرحتهم، فالعسب يظل جزءا لا يتجزأ من ذاكرة العيد.

​مع حلول الظهيرة، تهدأ الحركة قليلًا ويجتمع أهل البيت على وجبة الغداء التي تتكون غالبًا من (الشفوت)، (الهريش)، (السلته)، (الأرز)، و(اللحم)، بالإضافة إلى أطباق مثل (بنت الصحن)، (العصيد)، و(السوسي). هذه اللحظة تمثل استراحة بعد صباح طويل، حيث يجتمع الجميع حول المائدة يتبادلون الحديث ويستعيدون ذكريات اليوم. وبعد الغداء، يتجه الرجال إلى (المقيل) في بيت أكبر أفراد الأسرة، بينما تواصل النساء زياراتهن أو استقبال الزائرات.

​في اليومين الثاني والثالث، تتواصل الزيارات بوتيرة أخف، ويبدأ الناس بالخروج للتنزه في ضواحي صنعاء أو الحدائق، بينما يسافر ميسورو الحال إلى الحديدة أو عدن.

قد تتغير الأحوال وتضيق الحياة، لكن العيد يظل حاضرا لأن الناس يريدونه كذلك، يخلقونه من القليل، ويعيشونه كما يستطيعون، ويتركون لأطفالهم ذكرى تقول إن الفرح ممكن حتى في أصعب الأوقات.

أتمنى أن تنتهي هذه المعاناة في اليمن قريبا ويعود الفرح إلى كل بيت. كل عام واليمن بخير، وكل عيد والقلوب ما زالت تعرف طريقها إلى الفرح.

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com