عطاء الحياة 3
تأملات في حكمة الطريق الخفي
عتبة كلامية :

عندما تغلق الأبواب في وجوهنا ، فان ذاك لا يعني – دائما – نهاية الطريق ، فكثيرا ما يحدث العكس تماما . وعندما يغلق باب ما نجد أنفسنا – من حيث لا ندري – سالكين طريقا اخر لم نكن خططنا له ، وقد يبدو هذا الطريق في أول الأمر غريبا أو مفروضا أو حتى غير مرغوب فيه . غير أن التجربة تعلمنا أن الكثير من التحولات الكبرى في حياتنا جاءت عن طرق لم نخترها بأنفسنا .
عطاء الطرق التي لم نخترها
أحيانا تأتي أجمل عطايا الحياة من طرق لم نخترها ، ومن محطات اضطررنا الى المرور بها ضدا على رغباتنا . فنجد أنفسنا مضطرين لدخول متاهات تجارب لا نريدها ولا قِبَلَ لنا بها .أو خوض غمار تجارب لم يأت على بالنا اقتحامها واختيارها بحرية تامة . فيبدو لنا الأمر وكأن القدر يفرض علينا مسارا غريبا ، مليئا بالعقبات … المفاجئات … الشكوك . لكن مع الأيام نبدأ في رؤية الحكمة الخفية وراء هذه الطرق وتلك المسارات غير المختارة.
فكم من تجربة دخلناها مضطرين ، فاذا بنا نخرج منها محملين بما لم نكن نحلم به ، وبمعرفة أعمق لأنفسنا وحتى لغيرنا . لأن العطاء لا يرتبط بالمكان نفسه ، بل بالرسالة التي يحملها لنا ذاك المكان ، خاصة وأن الطمأنينة والجمال قد يأتيان من حيث لم نتوقع ، ويغادران أماكن كنا نعتقد أنها ستحتفظ بها لنا على الدوام.وهنا بحضرني ” جلال الدين الرومي ” عندما يقول – ما معناه – : 【 لا تبحث عن الطريق الذي اخترته ، بل اسلك الطريق الذي قادك قلبك اليه ، فستجد فيه عطايا لم تكن تتوقعها】 وهو ما ينسجم مع أن الأشياء التي لم نسع اليها غالبا ما تأتي فجأة لتغير مسارات حياتنا . وأن الطريق التي لم نخترها قد تصنع منا الانسان الذي كنا بحاجة الى أن نكونه ، وتعلِّمنا أن الخير قد يسلك مسارات لم نرها في حينها .
حين نفهم عطاء الحياة
ان تأملا أوليا في المحطات الثلاث الحالية والسابقة – ستأتي بعدها محطات لاحقة – يدفعني الى استخلاص مفاده ، أن الحياة لا تمنح عطاياها دائما بالطريقة المنتظرة ، أو التي كنا نتوقعها :
* فبعض العطاء يأتي في شكل أبواب لم تفتح .
* واخر منه ، يكون في صورة طرق لم نكن نرغب في سلوكها .
* وغيره يتجلى بعد زمن طويل ، حي نفهم معنى ما مررنا به .
ومع مرور الزمن نكون قد تعلمنا درسا هادئا وعميقا ، يتلخص في أن الحياة لا تخطئ العطاء ، لكنها لا تمنحه الا في الوقت والطريق اللذين تراهما أكثر انسجاما مع مسارنا الداخلي . وأن ماكُتِبَ له أن يأتينا سيصل – لا محالة – ولو عبر طرق لم نكن نعرفها . وما لم يُقَدَّر له البقاء سيرحل ، مهما حاولنا التشبت به والمحافظة عليه .
ولهذا تكون الحكمة الأجمل التي يتعلمها الانسان مع مرور الزمن ، هي أن يتعامل مع الحياة بشيء من الثقة الهادئة ، فيسعى بصدق ، ويتقبل مايأتي – دون أن يفهم من ذلك الاستسلام والخنوع – و يدرك أن وراء كل تجربة رسالة خفية . وأن عطاء الحياة ليس دائما في الأشياء التي نحصل عليها ، بل كثيرا مايكون في المعنى الذي نكتشفه ونحن نسير في الطريق .
يتبع
