قصة قصيرة للكاتب ادريس الواغيش

قصة قصيرة للكاتب ادريس الواغيش

نَدبٌ قَدِيم

كنت أعرفُ أن التأخر في الوُصول إلى الإعدادية خطيئة كبرى، لن تقبل بها الإدارة، ومع ذلك فعلتُ وتأخرت. لم أكن يومها في حاجة إلى شرح الأسباب أو تقديم المُبرّرات، كنت مُتيقنًا أنه لا قيمة لها عند من يسمعها، ولن تقدم في إفلاتي من العقاب أو تأخّر شيئًا. ستعتبرها الإدارة شأنًا خاصًّا بي، ولا يهمُّ أيّ طرف إداري. وفي الحصيلة، كنت أعرف حتما، أنه مهما كانت الأسباب ستعاقبني الإدارة. ولذلك، لم تشفع لي حالتي عند أحد، وأنا واقفٌ أمام مكتب المدير، لا أختلف في حالتي عن فوطة مبلولة أو أيّ عصفور صغير بارد بلّله المطر.
أذكر أنه حين وصلت متأخّرًا ذاك الصباح، وعلى غير عادتي، كانت تحت نعليّ المُهترئتين ساعتان ونصف من المشي سيرًا على الأقدام، وتحت زخات قوية من مطر ربيعي بارد. كنت وحيدًا كالذّئب، أتفادى هجوم أيّ منسوب مياه مرتفع أو مباغت للوادي، يمكن أن يباغتني في أي لحظة تحت القناطر الصغيرة. أنظر من حين لآخر إلى السّماء، وأنتظرُ راجيًا أن ينقص حجم التساقطات المطرية، وأتابع طريقي على عجل، وأحيانا كنت أقف منبهرًا، أتأمل أسرار الله في الطبيعة والكون.
قبل أن أصل إلى حجرة الدرس، كنت قد قطعت مسارًا طويلا ومُتعِبًا، تعرّضت فيه لكل أشكال الإهانات والانتظارات والإجراءات الإدارية، لم يخلُ بعضها من تعنيف لفظي جارح، وعقاب جسدي مُبرح. ولم تسلم مُؤخّرتي من ركل البوّاب والحارس العام، ووجهي من صفعات المُعيد بالإعدادية.
وفي الأخير، أجهز المدير المُتجهّم على ما تبقّى من احمرار في أصابع يدي المنتفخة بضربات عصا طويلة. وجدت الطاقم الإداري مُجتمعًا حول دفء حطب المَجمر، وكنت أنا في الخارج واقفًا ووحيدًا، وباردًا أنتظر مصيري. في كل مرة يخرج واحد منهم ويضربني على طريقته، ويعود مُقهقهًا إلى جُلسائه، كأنه كان يمارس طقوسًا مُحبّبة أو واجبًا تربويًّا أو دينيًّا مقدسا.
تملّكني لحظتها إحساسٌ حزين، كنت مقهورًا ومُنكسرًا. أحسست بالظلم، وبقليل من الذل والهوان. أحسست في بعض اللحظات بالضعف والرغبة في البكاء، ولكنني أحجمت. قلت مع نفسي، لن أسمح لهم بإهانتي مهما كان الثمن، وسأظهر أمامهم كل قوّتي النفسية بالرّغم من هزيمتي الداخلية. كنت أعرف أنه لا معنى لمثل هذا الضعف أمام هؤلاء، ولا جدوى منه. وزاد من همّي أن أوقفني أستاذ الرياضيات قرب الباب أمام زملائي مُستهزئًا، قبل أن يسألني في استكبار وتجبّر وعجرفة:

-ها نحن الآن بصدد دراسة المسافة، كم كيلومتر تبعُد قريتك عن المركز يا إدريس..؟
كان من الصعب عليّ تحديد المسافة بالكيلومتر، وفي طريق كثير المنعرجات، لا يعرف خطًّا مُستقيمًا واحدًا، وفي طبيعة جبلية يغلب على تضاريسها الصعود والهبوط، أجبته بعفوية البدويّين وأنفتهم، من دون تردّد أو لفّ ودوَران:
– ساعتين ونصف تقريبًا…!
لم يستطع إخفاء ابتسامته الشامتة، ارتسمت تحت شاربه الصّغير تحت أنفه الأفطس، قبل أن ينخرط في ضحك هستيري، ثم تبعه بعض التلاميذ في نوبات من الضحك. لم تكن ضحكاتهم نكاية فيّ، ولكن محاباة له، اختلط فيها الأنثوي الناعم بالذكوري الجاف، لم يخلُ بعضه من سُعال التلاميذ المُدخّنين.
اعتقد الأستاذ أنني لم أفهم السؤال، استدرك الأمر بسؤال توضيحي:
– أقصد كم تبعد قريتك عن الإعدادية بالكيلومتر…؟
أجبته على استحياء:
– نحن في قريتنا، نحسب المسافة بالسّاعة يا أستاذ، وليس بالكيلومتر…!!

Zahra

زهرة منون ناصر: صحفية مغربية كندية :مديرة موقع صحيفة ألوان: منبر إعلامي شامل يهتم بالأدب والثقافة ومغاربة العالم. Zahra Mennoune: Journalist Morocco-Canadian Responsible of publishing the Website : (Alwane "Colors" ) in Arabic language. (French) هام جدا: كل المقالات و المواد التي تصل ألوان تراجع من قبل لجنة االقراءة قبل النشر، ولا تعاد إلى أصحابها سواء نشرت أم لم تنشر. كل الكتابات المنشورة تعبر عن آراء كتابها. ولا تعبر عن رأي الجريدة. رابط الموقع: Alwanne.com للتواصل :jaridatealwane@alwanne.com